دروس العقيدة لأبي الخطاب العمري
الجزء ١ · صفحة ١٢٢وقد يظن البعض ممن يغرقون النظر في القضاء والقدر أن ما كتب لهم خارج عن إرادتهم واختيارهم، فمن كتب له أنه من أهل الجنة فهو في الجنة ومن كتب له أنه من أهل النار فهو في النار، وعلى هذا فهو منقاد ولن ينفلت عن ما كتب له.
وقد يتشكك البعض ويقع في حبائل وساوس الشيطان ويقنط من رحمة الله ويلحد ويترك الدين والإيمان بحجة أنه بعبادته أو بغيرها في الجنة أو في النار.
وهذا وقع فيه الكثير، نتيجة الخلط الذي وقعوا فيه، ونتيجة جهلهم بأن العلم غير والمعلوم غير، فعلم الله ليس هو المعلوم والقدر ليس هو المقدور، فالله سبحانه وتعالى يحاسب على المقدور. بمعنى آخر فعل الإنسان فيه وجهان هما: الخلق و الكسب
أما خلق الفعل فلله وحده وأما الكسب فهو يخص الإنسان، وهنا يحاسب الإنسان على الكسب لا على خلق الفعل.
لأن الفعل وإن كان الذي أتى به الإنسان فهو غير خارج عن إرادته التي أودعها الله فيه واختياره الحر الذي على إثره يحاسب غير مجبورا.
فكون أن الله يعلم ما سيقع لهذا الإنسان لا يعني ذلك أنه أجبره على فعله، وفي نفس الوقت لا يمكن لفعل المخلوق أن يكون خارجا عن علم الله به، لأن الله علمه أزلي وإن قلنا أنه خارج عن علم الله به فقد وصفناه بالجهل تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.
النقطة الثالثة: مذهب الجبرية في القضاء والقدر.
هناك كما قلنا من خاض في القضاء والقدر، فذهب بعضهم إلى القول أن أفعال العباد ليست مخلوقة لله وإنما هي مخلوقة من فاعلها وسبب قولهم هذا أن الله لا يجوز إضافة الشين والقبيح إليه كالمعاصي مثلاً، فالمعاصي أشياء قبيحة والله عادل.
وقالوا كذلك لا يمكن أن يخلق الله شيئاً ويجازيهم عليه كخلق الكفر مثلاً.
وهذا الكلام باطل عاطل لأن القبيح والشين في اكتسابهما لا في خلقهما والقبح في ما نهى عنه الشرع وليس فقط في ما قبحه العقل.
فإنكار خلق الأفعال الله هو أمر خطير فإن الله تعالى يقول في محكم كتابه (خالق كل شيء) والأفعال أشياء داخلة في عموم هذه الآية.
وذهبت طائفة أخرى وهي الجبرية إلى القول إلى أن الكسب منفي عن العباد وأن أفعالهم على سبيل الجبر لهم على فعلها، ولا يوجد اختيار في يد العباد على أفعالهم من جهة الكسب.
وهذا الكلام باطل أيضاً،، وقد قلنا أن كون الله يعلم بفعل العبد لا يلزم منه أنه أجبره على فعله، ومسألة الاختيار لا يمكن لأي عاقل أن ينفيها عن الشخص، فلا أظن أن الزاني إذا زنى سيكون بجر ولا أظن لمن يأكل الربا سيأكله مجبوراً عليه.
122