دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٠٤((سيروا إلى الحلقة واقصدوها حيثما كانت يا كسالى فإن رجلا قد سار من الجبل إلى فزان وإلى غدامس وإلى الساحل رغبة في الحلقة))،(1) ويقال إنه كان بذلك يقصد نفسه. على أن هذه المجالس نشأت خلال مرحلة الكتمان لضمان سلامة الإباضيين، ثم أصبحت بعد ذلك إحدى الضرورات الأساسية للجماعة الإباضية أثناء فترة الكتمان.
ويمكن القول إن الحركة الإباضية بقيادة أبي عبيدة مسلم كانت حركة دينية وفكرية، وإن نشاطاتها في البصرة كانت ثقافية بالدرجة الأولى. وكان نهج أبي عبيدة أن يثقف الأعضاء وأن يعلمهم العقيدة الإباضية، وأن يكون له العدد الأكبر الممكن من مختلف أقاليم البلدان الإسلامية، لكي ينشيء إمامة عالمية شاملة كل العالم الإسلامي.(2) ولكي يقوم بنشاطاته في البصرة، فقد انقطع أبو عبيدة كليا عن الحكام (الولاة) ليبقى سليما، وكانت سياسته في هذه الناحية مناقضة لسياسة سلفه جابر بن زيد. ولقد أوصى أتباعه بأن لا تكون لهم أية علاقة مع الحكام. وقد روى عبد الله بن عبد العزيز، أحد طلاب أبي عبيدة، أن أحد العمال (الحكام) قال لعضو إباضي: ((دعني أسجل اسمك في الديوان، واقتسم معك مرتبك. شقيقي سيكفيك مشكلة البيعة، وأنت تأخذ المال للحال)) هنا قال عبد الله: ذهبت إلى أبي عبيدة أسأله عن رأيه بهذا العرض، فقال: لا تذهب إليهم، ولا تكن قريبا منهم، لا خير لك ف يذلك)).(3) وهنالك رواية أخرى مشابهة لها رواها الربيع بن حبيب، وهو طالب آخر لأبي عبيدة، جاء بعده قائدا للجماعة الإباضية في البصرة. قال: ((أراد فرد إباضي أن يرافق حاكما معينا منذ فترة وجيزة وأن يخرج معه. سألنا الرجل: من طلب منك أن ترافق هذا الحاكم؟ فرد رجل آخر يقول إن أبا عبيدة سمح له بذلك، فقال الربيع: قصدت أبا عبيدة وسألته هل سمح لذلك الشخص بأن يرافق الحاكم؟ فقال: ((لم اقل له شيئا من ذلك. لقد جاء في المثل: الثعلب يقول
(1) - البغطوري، سير، 84؛ الشماخي، سير 211 – 12.
(2) - ليفتسكي، مادة الإباضية، الموسوعة الإسلامية ط 2.
(3) - روايات إباضية مخطوطة 14.