دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي] عمرو بن خليفة النامي

دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]

الجزء ١ · صفحة ١٠٥

لدي تسع وتسعون خدعة؛ ولكنه ليس بينها ما هو أنفع لي من أن لا يراني الكلب، وأن لا أراه)) والشيء ذاته هو بالنسبة للمسلم، لا شيء أفضل له من أن لا يراهم (الحكام) وأن لا يدعهم يرونه. وحق الله أنني أخشى على المؤذن أن لا يكون مأمونا في الدعوة لهم للصلاة فكيف بالآخرين)).(1) مثل هذا الموقف الحاسم المتخذ من قبل أبي عبيدة نحو الحكام هو الميزة الرئيسة لسياسته، ولا استثناء لذلك غير عمر بن عبد العزيز الذي أرسل إليه وفد باسم الحركة الإباضية.(2)

وفي زمن جابر، ذكر أن مجموعة من الزعماء البارزين في فريق المحكمة، بمن فيهم عبد الله بن إباض، اتصلت بعبد الله بن الزبير وعرضت عليه المساعدة بأمل أن يوافق على آرائها.(3) إلا أن أبا عبيدة نهج سياسة أخرى مناقضة. إذ كان يريد باستمرار حركة إباضية خالصة تتمكن من تحقيق أهدافها بدون أي ارتباك. ويقال إن عبد الله بن الحسن، حين أراد الخروج على بني أمية بعث إلى أبي عبيدة ومشايخ آخرين في المجموعة الإباضية في البصرة يطلب مناقشة مخططاته معهم، ووافق المشايخ على إيفاد صالح بن كثير إليه، غير أن أبا عبيدة رفض الموافقة على رأيهم، وقال: ((أترون رجلا يخاف على نفسه ويطلب الملك لا يعطيكم كل ما سألتموه، وإذا طاوعكم على ما تدعونه إليه قال: أنا مقر بدعوتكم ولكن الناس إلي أسرع وأنا أحق؛ فما عسى تقول له يا صالح وقد صدق؟ فإن أراد الدين كما يزعم فليلحق بصاحبنا بحضرموت عبد الله بن يحيى فليقاتل بين يديه حتى الموت.(4) وهكذا فقد غيروا آراءهم بسبب أبي عبيدة. ومثل هذا الموقف الحازم لأبي عبيدة ضد أي اتصالات بمسلمين غير إباضيين كان شديد الوضوح؛ كان يغطي نواحي أخرى في الحياة كالزواج(5) بالإضافة إلى النشاطات السياسية والدينية. وقد تأكدت

(1) - المصدر السابق 14 – 15.

(2) - البسياني، سيرة، مخطوطة 19؛ ابن مداد، صفة، 9 – 10.

(3) - أعلاه (3)

(4) - الشماخي، سير 83 – 84.

(5) - أبو غانم، مدونة، 11، 8.

١٠٥ / ٣٢٢