دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١١٢ولعل في هذه الكلمات إشارة محتملة إلى وجود مجموعة إباضية في شمالي إفريقية قبل مجيء سلمة بن سعد، لكنها لا تزال في حالة الكتمان، وإلى أنه لم تكن آنذاك قد جرت أية محاولة لترسيخ الإمامة الإباضية علنا.
والمحاولة الأولى من قبل الإباضيين لإنشاء إمامتهم في شمالي إفريقية بدأت حين عين إلياس بن حبيب واليا على طرابلس بعد سنة 127/ 744. ويروي أن إلياس صرع عبد الله بن مسعود التجيبي، من أصل حضرمي، وهو أحد زعماء الجماعة الإباضية في طرابلس.(1) ولا نعرف سبب مصرع هذا الزعيم الإباضي. ولكن علي معمر وإحسان عباس يوحيان بأن إلياس أراد بذلك تخويف الإباضيين،(2) وهي حقيقة تشير إلى أن الإباضيين كانوا آنذاك قوة ذات أثر كبير في طرابلس وما جاورها. على أنني أعتقد أن هذا العمل ربما كان نتيجة مباشرة للثورات الناجحة التي قام بها إباضيو حضرموت واليمن في نحو ذلك الوقت في وجه بني أمية لإنشاء إمامة مستقلة. وطبيعي أن يكون بنو أمية حريصين على منع أي تكرار لهذه الثورات في أية معاقل أخرى للإباضية باتخاذ تدابير رادعة.
والظاهر أن إلياس بن حبيب أساء تقدير قوة الإباضية، وكان من شأن عمله هذا، أن لم يكرههم على الرضوخ، بل أثار غضبهم ووفر السبب المباشر لثورتهم؛ فانتخبوا الحارث بن تليد الحضرمي إماما؛ وبمساعدة قاضيه عبد الجبار بن قيس المرادي، استطاع الحارث أن يستولي على طرابلس وأن يقتل شخصا يدعى قيس بن نصير بن راشد، مولى الأنصار، ثأرا لعبد الله بن مسعود التجيبي.(3) وحكم الحارث كامل المنطقة الواقعة بين قابس وسرت، غير أن الحارث وعبد الجبار معا قتلا على يدي شعيب بن عثمان أحد القادة الذين عينهم عبد الرحمن بن حبيب لإخماد الثورة
(1) - ابن عبد الحكم، كتاب فنوح إفريقية والأندلس، تحقيق البرت غاتو، الجزائر، 1947، 140
(2) - علي معمر، الإباضية في ليبيا، 1/ 450؛ إحسان عباس، تاريخ ليبيا، 43.
(3) - ابن عبد الحكم المصدر السابق، 140.