دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٤٢شهدوا وعلموا، فالحق علينا وطء أقدامهم وإتباع آثارهم.(1) وهنالك المزيد من الإثباتات التي يمكن ذكرها هنا لتبرير هذا الموقف لجابر.(2) وإذا ما اختلف الصحابة فيما بينهم، احتفظ جابر لنفسه بحق اختيار ما يفضله من أحكامهم. وفي مثل هذه الحالات يتبع عادة رأي شيخه ابن عباس.(3)
أما بالنسبة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة(4) فقد سبق أن ذكرنا أنه عزا آراء مذهبه إلى الصحابة عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن سلام، وهؤلاء هم الذين وصفهم بأنهم ((الراسخون في العلم)). كذلك ذكر ((أن أولئك الذين يملكون الذكاء والفهم لا يهتمون بالآراء ووجهات النظر التي ظهرت بعد عهد الصحابة. هدف الذين في عبادتهم فقط أن يعنوا بما حدث بعد الصحابة)).(5)
ومع أن جابر بن زيد كره تسجيل أحكامه خشية أن يغيرها، فإنه لم يعارض استعمال الرأي لتكوين الحكم الشرعي حول قضايا لم يتناولها القرآن أو السنة. غير أن خلفه أبا عبيدة نهى عن استعمال الرأي في تكوين الأحكام الشرعية. وحين قيل له إن أهل عمان يصدرون أحكاما شرعية على أساس الرأي، قال معلقا: ((ما نجوا من الفروج والدماء)).(6)
و والطريفة المقبولة بين المراجع الإباضية الأولى بخصوص تكوين الأحكام الفقهية هي أن الحكم في أية مسألة شرعية يجب أن يكون مبنيا بالدرجة الأولى على القرآن. وإذا لم يكن هنالك حكم مستمد من القرآن، فالواجب العودة إلى السنة. وإذا لم تعالج السنة ذلك، فإنه يجب الرجوع إلى ((إجماع الصحابة))؛ أما إذا
(1) - جابر بن زيد، جوابات، رقم 17، 42.
(2) - المصدر السابق، رقم 6، 18؛ رقم 16، 38.
(3) - السالمي، حاشية الجامع الصحيح، 1/ 168.
(4) - أبو عبيدة مسلم، مسائل، 37.
(5) - المصدر السابق 10 – 11.
(6) - أبو المؤثر الصلت بن خميس، سيرة، مخطوطة 20.