دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٤٣اختلف الصحابة فيما بينهم في أحكامهم، فيجب إذ ذاك ممارسة أقصى الحذر في اختيار أفضل أحكام الصحابة. وعلى أي حال، فحين لا يمكن أن يستمد أي حكم سابق حول القضية من القرآن، أو السنة، أو آراء الصحابة، فيجب إذ ذاك أن يستمد من آراء المراجع الأولى في المذهب الإباضي، ويجب إتباع الرأي الأفضل.(1) وهنا يذكر أن الآراء السابقة للصحابة أو للمراجع الأولى لا يجوز أن تمهل.(2) وقد مارست المراجع الإباضية الأولى اهتماما شديدا في إتباع الآراء السابقة حين تكون سليمة. وقد قال عبد الله بن عبد العزيز المعروف بولعه بالقياس وبالرأي، في مناسبات عدة أنه لن يلجأ إلى رأيه الخاص حيث يروي رأي سليم عن أسلافه.(3)
وبانقضاء ثلاثة عقود من القرن الثاني للهجرة كانت الآراء الإباضية بخصوص معظم المسائل الشرعية والدينية قد استقرت، وقد وقعت هذه المرحلة خلال السنوات الأخيرة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. ويقال إن العمال النفوسي، ابن مغطير الجناوني الذي درس على يدي أبي مسلم في البصرة قبل ((حملة العلم)) الخمسة، امتنع عن إصدار الأحكام الشرعية عند وصول هؤلاء من البصرة. وسبب اتخاذه هذا الموقف هو أنه درس على أبي عبيدة قبل أن يحدد هذا الأخير رأيه النهائي بخصوص الآراء المختلفة التي درسه إياها، فيما كان ((حملة العلم)) قد درسوا على أبي عبيدة بعد أن حرر المختار عنده من الأقوال)).(4)
ومن طلاب أبي عبيدة، أبو المؤرخ وعبد الله بن عبد العزيز وقد دأبا على معارضة شيخهما في آرائه المؤسسة على القياس.(5) وكان من شأن هذا الموقف
(1) - الديوان المعروض؛ كتاب الممتنعين من الحدود (باب الرأي مع إمام الهدى)، مخطوطة 4 – 6
(2) - المصدر السابق، 6.
(3) - المصدر السابق، 4، 11.
(4) - البغطوري، سير، مخطوطة 120؛ الشماخي، سير، 143.
(5) - الشماخي، مصدر مذكور سابقا، 119 – 120؛ ابن سلام، بدء الإسلام، مخطوطة 47؛ [كتاب فيه بدء الإسلام، 114]