دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٧٠أن بعض الإباضيين اعتمدوا وجهة نظر القدرية لكن أبا عبيدة كان معارضا لهم بقوة. وبين الذين اعتمدوا وجهات نظر القدرية ذكرت المصادر الإباضية حمزة الكوفي، والحارث الإباضي وعطية وهو من خراسان. ورفض أبو عبيدة وجهة نظرهم وقال لحمزة: ((يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان)) وعمد الإباضيون إلى هجر حمزة وزملائه، وطردوهم من المجالس الإباضية ولم يقربهم أحد)).(1)
وكانت مسألة القدر إحدى المسائل الأساسية التي جرى الجدال والنقاش حولها بين الإباضية وخصومهم، القدرية أولا، ثم المعتزلة من بعدهم. ولقد كانت هذه النقاشات قائمة قبل أبي عبيدة. وقال أبن سفيان محبوب بن الرحيل إن صحار العبدي، شيخ أبي عبيدة، كان يقول: كلموهم (القدرية) في العلم، فإن أقروا به نقضوا أقوالهم وإن أنكروه كفروا)).(2)
وكان أبو عبيدة نفسه قد اعتاد مناقشة مسألة القدر، متبعا الأسلوب نفسه الذي استنه أستاذه صحار. ويقال إن رجلا جاء أبا عبيدة وتكلم إليه في القرد، فقال له أبو عبيدة: ((هل علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هو إليه صائرون قبل أن يخلقهم؟ فقال الرجل: ما أسرع ما استعنت بالعلم يا أبا عبيدة، وإنما هذه مسائل الضعفاء. فقال له: أجب هذا الضعيف)) فلم يجبه فافترقا.(3)
ويروى أيضا أن معتزليا يدعى ابن الشيخ البصري، فيما كان يقوم بالسعي وهو في الحج في مكة، سأل أبا عبيدة: ((أأنت الذي يزعم أن الله يعصى بزعم إرادته)).(4)
والظاهر أن المراجع الإباضية الأولى نظرت إلى مسألة القدر باعتبارها أقل أهمية بالمقارنة مع مواقف الخوارج الذين جاؤوا ببدع جديدة خطيرة بخصوص علاقاتهم
(1) - المصدر السابق، 85 [ط. طلاي، 241، 244].
(2) - الدرجيني، طبقات، 222؛ الجيطالي، شرح النونية، 2/ 74.
(3) - لجيطالي، مصدر مذكور سابقا، 2/ 74.
(4) - المصدر ذاته؛ البرادي، شفاء الحائم، 224 - 25