دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ١٨٤أما بالنسبة للإباضية في شمالي إفريقيا فكانوا جميعا على رأي واحد يقولون إن القرآن مخلوق. وأقدم وثيقة تعالج هذه المسألة هي رسالة ألفها الإمام الرستمي، أبو اليقظان محمد بن أفلح (ت 281) ناقش المسألة بتفصيل مقدما حججا قوية لدعم عقيدة خلق القرآن.(1)
وكانت الأعمال اللاحقة لمؤلفين من إفريقيا الشمالية تتبنى الموقف نفسه كالإمام محمد بن أفلح. كيف حدث أن الإباضية في شمالي إفريقيا تبنوا وجهة نظر واحدة واضحة حول هذه المسألة فيما كان إباضيو الشرق مرتبكين بهذا الخصوص؟ هل كان ذلك بسبب تأثير المعتزلة، كما يقول بعض العلماء الأوروبيين؟ وإذا صح ذلك فلماذا كان النفوذ في شمالي إفريقيا بالغ الفعالية فيما هو أقل فعالية في الشرق؟ ودعما لوجهة نظر نلينو القائلة بأن الإباضية في شمالي إفريقيا تأثروا بالمعتزلة بالنسبة لعقيدة خلق القرآن، فالمرجح أن هذا التأثير وجد طريقة إلى علم الكلام الإباضي في شمالي إفريقيا بواسطة محمد بن أفلح، الإمام الرستمي الذي وضع أول عمل حول هذه المسألة. والمحتمل نه اقتنع بهذه العقيدة أثناء سجنه في بغداد في عهد أحد الخلفاء العباسيين.(2)
ولما لم يكن أحد من الأئمة الإباضيين قبله في شمالي إفريقيا قد ناقش هذه المسألة فقد استطاع أبو اليقظان أن يدخل وجهة نظره لأول مرة؛ ولكونه إمام الدولة الإباضية كلها في شمالي إفريقيا فإن أنصاره ارتضوا وجهة نظهر بالإجماع.
ومن ناحية ثانية يحتمل أن تكون عقيدة خلق القرآن قد تطورت، بصورة طبيعية ومستقلة، على أيدي علماء الإباضيين على أساس نظريتهم في ذات الله وصفاته. على أنه برغم ذلك فإن الإباضية في مرحلتهم الأولى لم يعالجوا هذه المسألة من هذه الناحية؛ وحين عالجوها كانت وجهة نظر المعتزلة حول خلق القرآن قد انتشرت في أوساطهم انتشارا واسعا.
(1) - هذه الرسالة موجودة في كتاب الجواهر للبرادي، 182 – 201.
(2) - ابن الصغير، Chronique sur les Imams Rostemides ، 27 30 –[ ط. دار الغرب الإسلامي، 64 – 65 تحقيق د. محمد ناصر وإبراهيم بحاز].