دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣الإسلام.(1) ويعتبر أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي أن الفترة التي سبقت هجرة النبي عليه السلام إلى المدينة هي كلها فترة كتمان(2) أما أبو عمار عبد الكافي فيقول: ((إن النبي بقي متكتما في مكة بعض الوقت بعد نزول الوحي))(3) والظاهر أنه قصد بذلك فترة سنوات ثلاث من النبوة قبل نزول الآية التالية: (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين).(4) وعلى أي حال ذلك كان الأساس الذي قدمه الإباضيون دليلا على الكتمان كواجب ديني في القرآن.
وبعد انهيار الإمامة الرستمية في تاهرت سنة 296 هـ / 909 م حاول إباضيو شمالي إفريقية أن يحيوا إمامتهم بقيادة أبي خزر يغلي بن زلتاف. لكنهم خسروا معركة باغاي التي حاربوا فيها الفاطميين سنة 358/ 968.(5) ثم دخل الإباضيون مرحلة السرية حتى وقتنا الحاضر ولم يحاولوا بعد ذلك إنشاء إمامة جديدة. وأنظمة مرحلة السرية كما شرحها أبو العباس أحمد بن بكر هي ((أن على الإباضية أن يجتمعوا ويعينوا قائدا يدفعون له زكاتهم وحقوقهم،(6) يجمعها من الأتقياء منهم ويوزعها بين الأتقياء، ينبغي لهم أن يزور بعضهم بعضا وأن يشكلوا المجالس لتعليم عقيدتهم وعبادة الله. كذلك ينبغي لهم أن يقيموا الصلاة الجماعية وأن ينفذوا كل ما يستطيعون منة واجب عمل الصالح والحيلولة دون الشر)).(7) وفي أثناء عهد السرية تتحول المجتمعات الإباضية إلى منظمات سرية تعمل سرا للإبقاء على وحدة المجتمع وتعاليم المذهب الإباضي.
وأدت مرحلة السرية التي بدأت في شمالي إفريقية بعد هزيمة الإباضيين في
(1) - القطب، مصدر مذكور سابقا، 115.
(2) - التلاتي، شرح عقيدة التوحيد، 54.
(3) - أبو عمار، الموجز، مخطوطة في حوزة محمد الأيوبي، 224.
(4) - الحجر / 94؛ انظر غيوم: حياة محمد (أوكسفورد، 1967)، 117.
(5) - الدرجيني، طبقات، 129.
(6) - انظر الجيطالي، قواعد، مخطوطة، 184.
(7) - أحمد بن بكر، مسائل التوحيد، 24.