دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي] عمرو بن خليفة النامي

دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]

الجزء ١ · صفحة ٤

والطوائف الأخرى، وبفضل العدالة الإسلامية التي انتهجتها الدولة الرستمية كطريقة حكم ازدهر التأليف، وكثرت حلق المذاكرة، وشاعت أسواق الجدال والمناظرة، وأنتجت هذه السياسة الرشيدة مكتبة المعصومة التي أشاد بتراثها المؤرخون، ولكنها والأسف ملء الجوانح، احترقت أثناء هجوم عبيد الله الشيعي على تاهرت، وكانت شاهدة لأئمة الدولة الرستمية بالنزاهة والعدل، بقدر ما ستبقى شاهدة على أعدائهم الفاطميين على التعصب المقيت، ومعاداة أنوار العلم والمعرفة.

وشهد الفكر الإباضي مرحلة أخرى من الاضطهاد والظلم، وعاد أصحابه مرة أخرى إلى مرحلة الكتمان، متسترين بالشعاب والمسالك الصحراوية، لائذين بعقيدتهم إلى واد غير ذي زرع، وكان ذلك حالهم إلى حين استقرارهم بوادي ميزاب في بداية القرن الخامس الهجري.

وأحب أن أوكد على أن هذه المرحلة رغم قساوتها السياسية، فإنها لم تعرف نضوبا فكريا، إذ أن المصادر الخاصة بدراسة سير العلماء والمشايخ والأئمة تدل على أن الإباضية كانوا مثل غيرهم من المذاهب الأخرى أصحاب عناية بالتأليف، والتحقيق والتدوين، ولا سيما في الشريعة والتاريخ. فالذي يرجع إلى سير الشماخي، أو جواهر البرادي، أو ملحق السير لأبي اليقظان يتأكد من هذا التراث المعرفي الواسع، فمن خلال عناوين هذه المؤلفات يدرك أن الإباضية ألفوا في مختلف العلوم الإنسانية، وأنهم كتبوا في شتى ضروب المعرفة، ولعل بعض البيبلوغرافيات الحديثة مثل تلك التي قام بإعدادهما لفتسكي، أو شاخت أو غيرهما من الأوروبيين تساعد على تصور نصيب الإباضية ومكانتهم في هذا المجال. على أنه لو قام احد بإحصاء جميع الكتب التي ألفها أصحاب هذا الفكر ونسبتها المئوية إلى عددهم، ثم فعل مثل ذلك في بقية المذاهب، ثم قارن بين نسب الجميع، لوجد نسبتهم من أعلى النسب إن لم تكن أعلاها، على أن الكثير منها ضاع للملاحقة السياسية التي لم تتوقف في أي زمان عن مطاردتهم ومضايقتهم بشتى الأساليب والصور، حتى بلغت في مداها أحيانا حرق الكتب والمكتبات،

٤ / ٣٢٢