دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٥٤هكذا كانت نظرة الإباضية بالنسبة للتطورات السياسية الأولى كما فهموها. وعندهم أن المحكمة هم المجموعة الوحيدة التي كانت تكافح من أجل العودة بالإمامة الإسلامية إلى ما كانت عليه أثناء عهدي أبي بكر وعمر، والسنوات الست الأولى من خلافة عثمان والسنوات الأولى من خلافة علي قبل أن يرضى بالتحكيم. ثم انتهى جهاد هذه الجماعة في مقتله أهل النهر على يدي علي بن أبي طالب وجيشه (27/ 658)، ومقتله أهل النخيلة على أيدي عسكريي معاوية والحسن بن علي معا.(1)
بعد هذه المرحلة ترسخت الخلافة الأموية وجعلت همها أن تضرب أي مقاومة. وهكذا فإن مؤيدي مجموعة المحكمة، أو ((المسلمين)) أو ((جماعة المسلمين)) كما كانوا يدعون في الأدب الإباضي القديم، اضطروا لإخفاء عقيدتهم والقيام بنشاطاتهم سرا.(2) ومن الذين نجوا من معركة النهروان، عروة بن أدية وشقيقه أوب بلال مرداس.(3) وقد واصلا نشاطاتهما في البصرة، وهما المعروفان بتفانيهما في واجباتهما الدينية، وكانا بارزين بين جماعة المسلمين هناك. ويبدو أن أبا بلال كان زعيما في البصرة لأنه كان أحد ثلاثة رجال علقوا على خطبة زياد بن أبيه الأولى في جامع البصرة حين عين هذا الأخير من قبل معاوية حاكما على البصرة وخرسان وسجستان.(4) ويذكر أيضا أن أبا بلال وجابر بن زيد كانا على صلة وثيقة خلال هذه الفترة، وأنه كان ينفق وقتا طويلا مع جابر بن زيد. ويقال إنهما دخلا على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم
(1) - البرادي؛ مصدر مذكور سابقا، 146 - 147؛ أبو قحطان، سيرة 32؛ الطبري، تاريخ، 5/ 165 - 166؛ المبرد، الكامل، 3/ 978.
(2) - أبو قحطان، مصدر مذكور سابقا، 33.
(3) - الطبري، تاريخ، 5/ 312 - 314؛ المبرد الكامل، 3/ 991؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق هارون، 5/ 84؛ الدرجيني، طبقات 206 - 213.
(4) - الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق هارون (القاهرة، 1948/ 1367)، 65؛ المبرد الكامل، 3/ 949؛ الدرجيني، مصدر مذكور سابقا، 207.