دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٧٧عثمان وانتهت بانتصار معاوية.
وبعيشه في البصرة، إحدى أهم مراكز النشاطات السياسية، وبمعاصرته لأحداث تلك الفترة المفعمة بالحيوية (28 هـ / 684 م - 93 هـ / 701 م) استطاع جابر أن يكون فهما واضحا للسير المعقد للشؤون الدينية والسياسية في الأمة الإسلامية النامية. ونتيجة لذلك اختار السبيل الأمثل لتحقيق أهدافه، إذ بقي بعيدا عن جميع النشاطات السياسية ونهج نهجا يتسم بالحذر الشديد في علاقاته برجال الحكم الأمويين. ومن ناحية أخرى فقد كرس وقته لتعليم الإسلام للناس وصياغة الأحكام الشرعية بشأن المشاكل الدينية.
وبالنسبة لطريقة حياته، فقد عاش جابر حياة تقوى وزهد، وهو الذي قال ذات مرة: ((طلبت من ربي ثلاثة أشياء، وقد منحها لي: زوجة مؤمنة، وراحلة صالحة، ورزقا حلالا كفافا يوما بيوم)).(1) وفي حديث له إلى أصحابه عن ثروته قال: ((ليس منكم أحد أغنى مني، ليس عندي درهم وليس علي دين)).(2) وقال الحجاج بن عيينة: ((لقد عتاد جابر بن زيد أن يأتينا في جامعنا؛ وذات يوم أتانا يحتذي حذاء قديما وقال: ((مضى من أجلي ستون سنة، قال: فأصبت فيها ونعمت فنعلي الآن أعز علي من ذلك كله إلا خيرا قدمته)).(3) وعن محمد بن سيرين أنه قال: ((رحم الله جابرا كان مسلما عند الدراهم)) وهو يعني بذلك أنه كان ورعا تقيا؛(4) فالبساطة والتقوى هما الصفتان الرئيستان في حياة جابر.
ومعرفة جابر الواسعة بتفسير القرآن وبالسنة جعلت منه شخصية بارزة في هذا الميدان من العلم، وروايته لأحاديث الرسول مقبولة بوجه عام؛ وهو يوصف ((بالثقة))(5) من قبل المحدثين. والاستثناء الوحيد لذلك هو الأصيلي الذي نعته
(1) - روايات الإباضية مخطوطة محلقة بكتاب نكاح الشغار، 21.
(2) - المصدر نفسه.
(3) - ابن سعد، طبقات، 7/ 180؛ أبو نعيم، حلية، 3/ 88.
(4) - ابن سعد، طبقات، 7/ 187؛ أبو نعيم، حلية، 3/ 88.
(5) - ابن حجر، تهذيب، 2/ 38.