دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٩١الناس القرآن، وأحاديث الرسول، وقدموا لهم مثالا حقيقيا للمسلمين من خلال حياتهم العملية، وكان جابر بن زيد بين قدماء التابعين في البصرة ممن كرسوا حياتهم لهذه المهمة. وقد سبق أن ذكرنا أنه أصبح أحد أكثر أهل البصرة علما؛ ونتيجة لذلك أصبح مفتي البصرة. وقد ذكر إياس بن معاوية أن جابرا كان ((مفتي البصرة)).(1) والمرجح أن ذلك كان لفترة محدودة لأن هنالك مصادر أخرى تذكر أن هنالك علماء آخرين شاركوه عبء الفتوى في البصرة، ومنهم الحسن البصري، وعمرو بن سلمة الجرمي، وأبو مريم الحنفي، وكعب بن سور.(2) وكان لعمرو بن دينار تلميذ جابر، رأي رفيع جدا بجابر حتى أنه ذهب إلى حد القول: ((ما رأيت أحدا أعلم بالفتيا من جابر بن زيد)).(3)
ومن شأن دراسة موجزة للطريقة التي نهجها جابر في إصدار فتاويه أن تساعد على فهم طبيعة الفقه الإباضي. فهو محدث؛ وكانت معرفته الواسعة بالحديث وبفتاوى الصحابة هي ميزة طريقته في الاستنباط. وعنده أن أي فتوى يجب أن تستند إلى القرآن والسنة وآراء الصحابة؛ ثم يلي برأيه. والمصدر الثاني لفتاويه، بعد القرآن هو السنة، وهو القائل: ((ما كان من أمر خوالف فيه السنة نقض)).(4) ويقول في ذلك: (لايستقيم للناس ما خالفوا فيه السنة).(5) بانتهاج هذه الطريقة كان جابر يتقيد بالحكم الذي وضعه الصحابة. ولقد حذره معلمه عبد الله بن عمر من أن يصدر فتوى إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية.(6) ويقال أيضا إن جابرا قال: ((أدركت ناسا من الصحابة، أكثر فتياهم أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم).(7) وبعد السنة يأتي ((الرأي)). وبالنسبة لهذا المصدر الثالث للشرع، اعتقد جابر بأن حكمه ينبغي
(1) - ابن سعد، طبقات، 7/ 131؛ ابن سلام، بدء الإسلام، 42.
(2) - ابن القيم، أعلام الموقعين، 9.
(3) - الذهبي، تذكرة، 1/ 62.
(4) - جابر بن زيد، جوابات، 19
(5) - المصدر السابق، 14.
(6) - - البخاري، تاريخ، 2/ 1.
(7) - الربيع بن حبيب، مسند، 1/ 13 – 14.