دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي] عمرو بن خليفة النامي

دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]

الجزء ١ · صفحة ٩٢

أن يأتي بعد حكم الصحابة، لا قبله؛ فقال: ((ورأي من قبلنا أفضل من رأينا الذي نرى، لم يزل الآخر يعرف للأول فضله، وكانوا أحق بذلك من المهاجرين مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والتابعين لهم بإحسان، فقد شهدوا وعملوا، فالحق علينا وطء أقدامهم وأتباع آثارهم)).(1) ثم يقول بعد ذلك: ((فلعمري ما أنا إلا متعلم متبع آثار قد وطئت قبلي، وما عندي من ذلك ثقة ولا دلالة إلا رواية عسى أن نختلف فيها)).(2)

وفي رسالته إلى عنيفة، عبر جابر عن هذا المبدأ نفسه كما يلي: ((ليس من ذلك شيء إلا ما يروي الناس عن الناس، وأما رأي من عندنا فنحن في ذلك أنقض رأيا))(3) وفيما يلي قصة تبين مدى تمسك جابر بهذا المبدأ. وهي قصة امرأة طلقها زوجها المريض. فكان رأي ابن عباس، أن عليها أن تنتظر زوال خطر مرض زوجها كي تحتفظ بحقها بالمهر وبالإرث؛ أما إذا تزوجت رجلا آخر قبل ذلك، فإنها تفقد حقها بالمهر وبالإرث. وبعد رواية هذا الرأي لابن عباس، قال جابر: ((ولولا قول ابن عباس في ذلك لسرني – وإن تزوجت – إذا عرف الضرر، أن تستوجب الأمر كله ما لم يذهب ميراثها)).(4) على أن جابرا كان يفضل رأي ابن عباس على رأيه تأكيدا على المبدأ المذكور أعلاه، ولو أنه كان يرى أن رأيه في هذه الحالة هو الأفضل. وهكذا يمكن القول أن مصادر الفقه الإباضي هي القرآن والسنة والرأي. إلا أن الرأي لا يلجأ إليه إلا إذا لم يتوفر الحديث. وكخلاصة لهذه الدراسة الموجزة يمكن القول أن المذهب الفقهي الذي أنشأه جابر بن زيد كان متأثرا إلى حد كبير بالحديث.(5) ثم إن طريقة جابر هذه اتبعها بعد وفاته طلابه الإباضيون الذين بنوا فقههم على الآثار بالدرجة الأولى. ويقال إن أبا عبيدة مسلم، الذي خلف جابرا، قبل له إن أهل عمان يفتون بالرأي في أحكامهم الشرعية، فقال

(1) - جابر بن زيد، جوابات، 42.

(2) - المصدر السابق، 38.

(3) - المصدر السابق، 18.

(4) - المصدر السابق، 42.

(5) - (انظر ما يلي، 142 وما يليه).

٩٢ / ٣٢٢