دراسات عن الإباضية [طبعة دار الغرب الإسلامي]
الجزء ١ · صفحة ٩٨وبعد عرض هذا الرأي لابن عباس، علق أبو عبيدة قائلا: ((اعلموا أن المسلم، إذا كان الله قد وهبه نفسا صالحة موجهة إلى عبادة الله، حين يسمع ما يقربه من الله يبذل وسعه في إتباعه، فهو سيؤجر كما ذكر من قبل. أما إذا كان هذا الشخص ذا نفس شريرة فهو يمل عبادة الله ويكره العبادة. همه كله عند ذاك في الجدل والشك. وإذا ما سمع حديثا يدعوه إلى العمل، عارضه بالقياس وقال: هذا الحديث ليس صحيحا، لأن رأيه الذي يلائم رغبته لا صلة له بطاعة الله.(1)
وعلى أي حال، فقد كان أبو عبيدة محدثا، وكان إلى حد كبير، متأثرا بالحديث بصفته ضليعا في الشرع وفقيها، وكان يعارض اللجوء إلى الرأي. ولما قيل له أن أهل عمان يلجأون إلى الرأي لإصدار الفتاوى، قال: ((ما نجوا من الفروج والدماء)).(2) ثم إنه قال لأنصاره أن لا يقبلوا أي رأي إذا كان رواية، أو ((آثارا)) من شيوخ المذهب الإباضي. ويروي أن أم شهاب، وهي امرأة إباضية، زارها عبد الله بن عبد العزيز وصالح بن كثير، وكانا طالبين لدى أبي عبيدة، فسألتهما فتوى في قضية فأجابها صالح، فقالت له: عمن أخذتها؟ فقال: ((هو رأيي؛ فقالت له: اضرب برأيك عرض الحائط. لا حاجة لي فيه)).(3) وزاد في زمنه الاهتمام بنظام الولاية والبراءة، من الناحيتين النظرية والعملية، عما كان علي في وقت جابر بن زيد. والحالتان التاليتان تبينان الفارق في الموقف بين الإمامين:
I- قيل إن إباضيا يدعى الحسن بن عبد الرحمن طلب يد أن عفان وهي إباضية كوالدها، فستأمرها أبوها ذلك فنهاه جابر أن يزوجها وهي كارهة، وحين تقدم مسلم غير إباضي منها يطلب يدها رضيت به، فأمره جابر أن يزوجها إياه.(4)
II – وفي حالة مماثلة اتخذ أبو عبيدة موقفا مغايرا. يقال إنه هاجم رجلا إباضيا زوج ابنته من مسلم غير إباضي وأبدى استياء شديدا. ويذكر تلميذه
(1) - المصدر السابق.
(2) - أبو المؤثر، سيرة، مخطوطة 20.
(3) - الشماخي، سير 120 – 121.
(4) - المصدر السابق 113.