مذكرة مادة منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ١٢ونتيجة لجهود الإمام فقد تزايد عدد أتباعه حتى بنوا لهم مسجدا خاصا بهم في البصرة، و لم يكن أمرهم بطبيعة الحال خافياً على زياد الطاغية و الى البصرة، و لكنه هادنهم لرأي رأه و لخطة محكمة ينسجها، ثم أن ميلهم إلى الاعتدال و تركهم مراجعة السلطة كل ذلك جعل ابن زياد ينصرف عنهم حتى يتفرغ لقتال الخوارج، و حتى لا تتعدد جبهات القتال
دعوة أبي بلال:
إن ما تميزت به دعوة أبي بلال هي انكاره العنف طريقة و منهجاً، اقتناعاً منه بإن ذلك ليس من طبيعة الدين الأسلامي السمح، ثم لأنه اتعظ من المصير الدامي الخطير الذي آلت إليه معركة النهروان، فكان يأمر أتباعه بعدم استعراض المسلمين بالسيف، و ألا يقاتلوا أحدا من مخالفيهم إلا إذا تعرضوا لعدوان أو واجهوا قتالاً، فالسلاح لا يستخدم إلا في حالة الدفاع عن النفس، وكان يقول: "ان" تجريد السيف وإخافة السبيل لأمر عظيم، ولكنا نشذ عنهم، ولا نجرد سيفاً ولا نقاتل إلا من "قاتلنا" حتى ان ابن زياد وكان يقول عن مرداس واتباعه: لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار في اليراع".
استشهاده:
ما لبثت دعوته هذه ان تأصلت، وكثر حولها المؤيدون والاتباع، ولكن الأمر لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما تغيرت الأوضاع السياسية من قبل السلطة الأموية وتولي عبيد الله بن زياد مكان أبيه (سنة 55 هـ)، فقد استعمل ابن زياد الشدة والقسوة المتناهيتين وأعمل السيف في الرقاب دون رحمة أو لين، وطارد الفرق المعارضة لحكمه وعلى رأسها المحكمة، وفتح السجون على مصراعيها، فعذب وقتل ومثل وصلب، ولم تنج منه حتى النساء اللاتي كن ثمتهن كرامتهن بشكل تتقزز له الأبدان هولا وفظاعة.
ولما رأى ابو بلال ما حل بمعارضي ابن زياد، وعلم أنه يجد في طلبه وانه ظافر به لا محالة عزم على الخروج من البصرة بثلاثين رجلاً وقيل أربعين، وقال لأصحابه:
12