مذكرة مادة منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٧٦دونه أولى بذلك. وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الإنسان بحاجة إلى من يستشيره وإن كان عنده العلم الكثير والخبرة الكبيرة و الفكر المتوقد … وغير ذلك من الصفات الحسنة، لكن يبقى هناك جوانب قصور، لا يستطيع أن يراها وإنما يُعِينُهُ مَن حوله. ولذلك فالإنسان مطالب ألا يستبد بالأمر لنفسه، فالحكم في الإسلام ليس بالاستبداد وليس بفرض الأمر الواقع أو سياسة فرعون الذي كان يقول: (مَا أُرِيكُمْ إِلا
مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَاد) [غافر: 29]، يعني: لا أعترف بأي رأي آخر. إن هذا المسلك مسلك خاطئ؛ ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم صحابته الشورى، وفي معركة بدر كان يقول لأصحابه: «أشيروا عليَّ أيها الناس»، فكان يطلب منهم الرأي
والمشورة.
وكذلك في معركة أحد استشار الرسول، وكانت رأي الأغلبية أنهم يريدون
خوض هذه المعركة، وهذا ترسيخ مبدأ الشورى عند المسلمين.
وكذلك أشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق في معركة الأحزاب،
فكان رأيا سديدا، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يرى رأيا سديدا فإنه يأخذ به.
كما أخذ برأي الحباب بن منذر في معركة بدر، عندما ردم كثيرًا من الآبار وغَيَّرَ موقعه، وأنشأ حوضا مستقلا للمسلمين. فكل هذه الأمور استشار فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه، وعمل بهذه الشورى، وهذا ترسيخ هذا المبدأ الشورى في الأُمة.
وكان الصحابة رضوان الله عليهم والخلفاء الراشدون يستشيرون منذ بداية عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولما توفي جُعِل الأمر شورى في المسلمين، فاختاروا من رأوه أهلا للخلافة، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، فكان أمر الخلافة شورى بينهم.