كتاب الإبانة في اللغة العربية سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤١٨

وأما ذكر الشيء بسبه وذكر سبيه به (1)

فَما جاء عنهم مِنْ ذِكْرِ الجزاء على الفعل بمثل لفظه نحو قوله، عزوجل: إِنَّما نَحنُ مُستَهْزِئُون. اللَّهُ يَستَهْزِئُ بهم (2).

وكذلك: {فَيسْخَرُون مِنهُم سَخِرَ اللهُ مِنهُم) (3). ومَكَرُوا، ومَكَرَ الله (4). وجزاء سيئة سيئة مثلها (5). كل هذا لا يجوز على الله، سُبحانه، حقيقةً، ولكنه جائز على مذاهب العرب في سَعَةِ لُغَتِها، يذكرون الشيء بِسَبَبِه وبما قَرُبَ

فَسَمّى عزوجل عقوبتهم على استهزائهم استهزاء، إذ كانَ مِن سَببِه.

وكذلك المكر، هو منه تعالى عقوبة، فسماه باسم مكرهم. والسيئة هي مِنَ المبتدئ (6) سيئة، ومن الله تعالى جزاء.

وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُم، فَاعْتَدُوا عَلَيْه (7)؛ فالعدوان الأول ظُلم،

والثاني جزاء. والجزاء لا يكون ظُلماً، وإنْ كانَ لفظه كلفظ الأول.

وقيل لجرير: لِمَ تهجو النّاس؟ فقال: إني لا أبتدي، ولكني أعتدي. ومنه قول النبي، صلى الله عليه وسلّم: «اللهم إن فلاناً هَجَاني، وهو يَعْلَمُ أَنِّي لستُ شاعراً فَأهجوه. اللهم العَنْهُ عَدَدَ ما هَجَاني به، أو مكانَ مَاهَجَاني (8). أي:

جازه جزاء الهجاء.

رحمته.

وكذلك قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم (9) قيل: تركوا أمر الله فتركهم من

(1) سماه ابن قتيبة في تأويل مُشكل القرآن، ص 277: الجزاء عن الفعل بمثل لفظه، والمعنيان مختلفان.

(2) البقرة: 14 - 15.

(4) آل عمران: 54.

(3) التوبة: 79.

(5) الشورى: 40.

(6) في الأصل: المبتدأ، وهو خطأ، والتصويب من تأويل مشكل القرآن، ص 277

(7) البقرة: 194.

(8) الحديث في كتاب العلل 263/ 1، رقم 2283، وهو مرسل. (9) التوبة: 67.

358

196/ 1