صراع الصراع لزكريا المحرمي
الجزء ١ · صفحة ١صراع الصراع
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد…
ليس كتاب "الصراع الأبدي" سوى حلقة في سلسلة مشروع الإصلاح الفكري والثقافي والحضاري الذي افترضته علينا النصوص المقدسة في الكتاب الخالد، وسنة الأولين من المصلحين أنبياء ومفكرين. كان من السهل علينا التواري في ظلام التعامي والتسطيح لأزمتنا الحضارية، ولكن الهاجس الذي أيقظ فينا الشعور بخطورة الأزمة هو الذي وجه طاقتنا نحو مواجتها وعدم دس رؤوسنا في تراب الهروب والتبرير للفشل.
والتاريخ الإسلامي –للأسف الشديد- لم يكن بمعزل عن تيارات الإخفاق والفشل، بل ربما يكون التاريخ العامل الأكثر تأثيرا في صياغة وضعنا الثقافي والفكري على ما هو عليه، وفي إطار مسيرة الإصلاح الحقيقية فإننا ملزمون أخلاقيا وأكاديميا أن نتعرض لجميع نقاط الالتهاب ومحطات عدم الاستقرار في سيرورة ثقافتنا وحضارة أمتنا، ومن بين تلك المحطات الحالكة السواد والمظلمة في سماء التاريخ، مرحلة احتراب الصحابة وتمزق الأمة إلى شيع وطوائف يكفر بعضها بعضا.
لقد اقتضت سنة الله تعالى في خلقه تزاحم الأشياء وتدافعها، وكان من الطبيعي –نظرياً- أن تخمد نار الصراع وتبرد حرارته وفق عوامل الزمان وحركة التاريخ، إلا أن هذا الصراع أبى إلا أن يكسر القوانين ويخط لنفسه منحناً هندسيا مطرداً مع الزمان، لقد تداخلت محفزات كثيرة لصب وقود الديمومة في مركبات الصراع الحربية الحاملة لأشد الأسلحة فتكاً وتدميراً، ليس أقلها مدافع التبديع البيولوجية ولا صواريخ التفسيق الكيماوية وليس أكثرها قنابل التكفير النووية التي نسمع دويها بين الحينة والأخرى ونكتوي بنارها وتشوهنا إشعاعتها الذرية الضارة، بل هناك أسلحة دمار شامل تبيد الخضراء وتسمم الصحراء وتسفك الدماء، واسألوا أهل العراق عنها فلا ينبأك مثل خبير.