صراع الصراع لزكريا المحرمي
الجزء ١ · صفحة ٣الثاني: هو الذي أشار إليه محمد عابد الجابري بالقول "وواضح أن جميع هذه المواقف التي كان لها طابع سياسي في الماضي والتي استعيدت ليتم التعامل معها كجزء من حاضر كل تيار سلفي، قد اعتبرت –وما زالت تعتبر- عند السلفية/ التيمية الوهابية على أنها تدخل في مفهوم "سيرة السلف"، أي فيما عبّر عنه الإمام مالك بـ "ما صلح أول" الأمة. وهذا موقف غير مبرر لا على مستوى المنقول ولا على مستوى المعقول، فضلاً عن أنه ينزع من فكرة الإصلاح جوهرها الثابت، وهو تجاوز صراعات الماضي والاتجاه إلى المستقبل مع الاحتفاظ بأصول العقيدة، كأصل التوحيد. إن هذا المسلك في التفكير والعمل يجعل الإصلاح يتحدد دوماً بـ "الآخر"! فالموقف السلفي الذي من هذا النوع يتحدد ليس فقط بالدعوة إلى سيرة الخلفاء الراشدين، بل أيضاً بمعاداة جميع الخصوم السياسيين والمذهبيين الذين عاداهم دعاة السلفية منذ الفتنة الكبرى إلى اليوم، وهكذا يمتص الصراع مع خصوم الماضي قدراً كبيراً من الجانب الإصلاحي في الحركة السلفية، وذلك على حساب الجوانب التي تهتم بمشاكل الحاضر والمستقبل".
وعودا على بدء في موضوع العوامل الخارجية فإن هكذا منهجية قائمة على اجترار الصراع الأبدي واستحضار شخوصه ومعاركه الطاحنة قد مهدت الطريق أمام أعداء الأمة لإلهاب نار الفتنة بين مدارسها المختلفة ومذاهبها المتعددة، وهو ما نراه ماثلاً اليوم في المجازر التي تسفك فيها الدماء المسلمة بأيد مسلمة موجهة من الخارج، وفيما يحدث في باكستان والعراق عبرة لأولي الألباب.
التاريخ والرواية:
ليست مصادفة أن تكون محطة "التاريخ" هي التالية لمحطة "الرواية" في مسيرة الإصلاح من خلال إعادة القراءة والتفكيك والبناء وفق رؤى أكثر أصالة وقرآنية مما هو مطروح من مناهج لم تكرس سوى القطيعة والصدام وبالتالي اجترار الصراع الأبدي.