أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١٠٦وفي هذه الرسالة الشفوية وقعت الإشارة إلى نقض العهود وكأن الوفد بين تخوفه من أن ينقض أبو حمزة وجماعته عهد الهدنة وهنا ثارت حمية القائدين ليبينا للوفد الأموي أنهم لا ينقضون العهد غدرا، وإنما تعودوا أن يسلكوا مسلك الإعلان، وألا يقدموا على عدو إلا بعد التخيير، ولا ينطلقون في المعركة إلا إذا بدأهم الطرف الآخر كما سنرى بعد حين في معركة قديد. ويؤكد القائد صراحة على هذا المعنى ويبين أنه إن تقطع رقبته أولى من أن ينقض عهدا، لأنه يعلم أن ناقض العهد مرتكب كبيرة وإن ختم له بذلك كان ماله الخلود في جهنم، بينما من تقطع رقبته دون المحافظة على العهد يموت شهيدا وإلى جنة النعيم
خالدا فيها.
وتنتهي
هذه الجولة الثانية من المفاوضات بأن يرجع الوفد إلى عبد الواحد الذي «نفر في النفر الأول، وخلى مكة لأبي حمزة فدخلها بغير قتال (1).
أبو حمزة في المسجد الحرام في مكة المكرمة:-
لم يكن أبو حمزة تتصور أنه سيحقق هذا الظفر بمثل هذا اليسر إذ أنهزم عبد الواحد بالرعب ولم يكن منه إلا أن طلب الأمان ليترك في سبيل حاله. ولم يكن من القائد أبو حمزة ليخرج عن سنة إمامه لقد خلى الوالي لحاله وياليته رد الاحسان بالاحسان وانما راح يعد العدد والعدة لينتقم لهذا الذي أصابه من الخسران.
وما إن غادر الوالي ومن معه الساحة وأنتهت أيام التشريق حتى أقبل أبو حمزة وسط الألف وخمسمائة من أنصاره ليدخلوا مكة من أبوابها الواسعة وهم سادة الموقف بها وقد أسلمت لهم القيادة دون أن تسيل قطرة دم، ورغبتهم ألا تكون هذه المدينة المباركة خاضعة لدمشق - وليس العكس - وما ذلك ببعيد وما ذلك على الله، بعزيز ولتعد المياه إلى مجاريها كما كانت زمن الرسول عليه السلام وزمن الخلافة الراشدة الحجاز بحرمية هو قطب الرحى ومركز
دائرتها.
وفي جنبات البلد الحرام يتدفق هؤلاء على أبواب بيت الله الحرام طائفين خاضعين راكعين ساجدين مكبرين ومهللين، نعم إنهم لم يروعوا أحدا وإنما كانت أعينهم تفيض من الدمع وقلوبهم خاشعة لرب العالمين. وأطل أهل مكة من الشرف ومن بعيد في بداية المطاف خشية أن يصابوا بسوء، ولما رأوا الأمر على عكس ما كانوا يتصورون خرجوا مندهشين أمام هذا السلوك الذي لم يرى التاريخ له مثيلا إلا عند دخول الرسول عليه السلام عند فتح مكة. 11) الاغاني 118/ 23