أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١١١بينما قضى أصحاب أبي حمزة ليلتهم في مسيرة خاشعة يحيط بجنباتها الحلال لا تراهم إذا
تفرقوا قليلا إلا بين راكع وساجد خاشعين لرب العالمين راجين من فضله النصر المبين، يتقدمهم قائدهم وهو قدوتهم ورائدهم يمتثلون لأوامره لأنهم لم يروا منه مذ خرجوا معه من اليمن إلا الراعي الأمين ينزل منازلهم ويأكل ما يأكلون ويتحمل ما يتحملونه يركب حينا ويمشي أحيانا عينه ساهرة لا تكاد تنام ترعى من جعل الله تحت مسؤوليته من أنام، لبسوا جميعا الخشن وأفترشوا على جوب الصحارى حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم، إنهم كما وصفهم قائدهم في إحدى خطبه موصول) كلالهم بكلالهم
أدرك من هذه شيمتهم قديداً بعد شهر من وصولهم إلى عرفة، وفي هذه المرة لم يكن أهل المكان في غفلة، وإنما كانوا يترصدون ويتنمرون، وبهواجس النصر يغنون، فلم يكن من أبى حمزة إلا أن أرسل إليهم من يفهمهم أنهم لم يكونوا إليهم سائرين، وإنما غيرهم يبتغون. وما أن أنبلج صبح ليلة الوصول إلى قديد حتى وقف أبو حمزة خطيبا يلهب أصحابه حماسا ويذكرهم بتقوى الله إنكم ملاقوا قومكم غدا، وأميرهم في ما بلغني أبن عثمان أول من خالف سيرة الخلفاء وبدل سنة رسول الله، وقد وضح الصبح لذي عينين فأكثروا ذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، ووطنوا أنفسكم على الصبر))
(18)
وندرك من هذا البيان أن عيون أبى حمزة غير غافلة عن تبليغ أخبار المدينة خبرا بعد خبر، وها هو يعلم أن القائد الأموي أموي بحق بل هو حفيد عثمان بن عفان، وأدرك ما وراء هذا الأختبار من خطر، لذلك نبه أصحابه ليرد المثل بالمثل والقضية حساسة آنذاك، وإنا صرنا نقول الآن تلك دماء طهر الله منها سيوفنا فليطهر منها السنتنا، وإنما هو التاريخ يجب أن يروى بأمانة. ثم يبين لجنوده أن خير الزاد التقوى، وما أحسن أن يكون زاد المجاهد ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، أو ليس هؤلاء قراء أبناء القراء؟ ثم كلمة الختام تؤكد أن المطلوب مع ذلك كله عدم الغرور بالنفس وتوطينها على الصبر لأن القتال، قتال والنفس تكره الموت وإن كانت
ترغب في الشهادة.
بلج بن عقبة عند أهل المدينة: -
وحالما تراءى الجمعان لم يكن أبو حمزة ليغفل عن مسلك سلفه في ساحات القتال وكان في إمكانه أن ينقض على لابسى الوشي والخز وهو بهم عليم، إذ علمنا أنه كان يتردد على المدينة من زمان، فأرسل قائده المخلص بلج بن عقبة في ثلاثين من خيرة أصحابه فذكرهم الله
18) ن. م - 123/ 23
- 118 -