أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١٣٢فموقف أبى حمزة واضح تمام الوضوح، لأنهم لو أرادوا الملك ما سلكوا مثل هذا المسلك، ولتقربوا مثلا إلى بني مروان ونالوا مثل ما نال غيرهم من اللقم السائغة التي تسعد في الدنيا وتسخط الله في الآخرة.
نعم إنهم باعوا انفسهم في سبيل الله لتصحيح مسار التاريخ، لإرجاع العدل إلى نصابه، وفعلا خيروا أهل المدينة بين عدة إختيارات أبرزها أن يتركوا سبيلهم في مسيرتهم نحو إزهاق الباطل في معدنه، وهنا وعد أبو حمزة بمنهج الحكم المنتظر يا أهل المدينة، إنا خارجون لحرب
مروان، فإن نظهر نعدل في احكامهم، ونحملكم على سنة نبيكم ونقسم بينكم.
تلك
هي سياسة الفئة التي سمعت داعيا يدعو الى طاعة الرحمن وحكم القرآن فأجابت داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الارض) [46 الاحقاف 32]، عدل في الاحكام وإتباع للسنة وقسمة بالعدل، وكيف لا تكون سياستها على هذا النسق وقد كان عامل قيامها ما ذكر تلبية من يدعو إلى حكم القرآن؟ لكن القرآن نص وكل يدعيه، وإن كان أبن عطية صرح بأنهم يضعونه في الجوالق والوليد فعل معه ما علمت وما كان أبو حمزة من هذه الشاكلة ولقد بين بكل وضوح أن الإمامة المثال لديهم تتمثل في دولة الرسول عليه السلام وفي خلاة العمرين وفي ست من خلافة عثمان وفي خلافة الإمام علي قبل
التحكيم.
فهذه الخلافة نعلم أن الخليفة فيها لم يجد امرة ضائعة وإنما تمت البيعة فيها عن طريق الإختيار بالنسبة لأبي بكر لأن من أختاره الرسول عليه الصلاة السلام أولى بأن يختار للدنيا، وعن طريق ولاية العهد بالنسبة إلى عمر وعمر ليس من رهط أبى بكر الأقربين، وعن طريق الشورى بين ست لم يكن واحد منهم من قرابة عمر في شيء فالأساس في بيعة الخليفة ان اكرمكم عند الله اتقاكم.
ولم يكن هذا مجرد إدعاء وإنما هو واقع اذ قد تمت بيعة عبد الله إبن يحيى طالب الحق لما من به عليه المولى تعالى من تقوى إذ لم يكن قرشيا ولا من آل البيت، وإنما كان مؤمنا لا حنيفا، والناس جميعا يعلمون أن مصدر الشورى لتحديد هذه الإمامة بيد مولى من الموالى وهو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة مولى عروة بن أدية التميمي.
وليس الإمام في مثل هذه الدولة إلا واحد من الرعية لا يحتجب عنهم كذا فعل الخلفاء الراشدون وكذا كان طالب الحق في اليمن، والكل يشهد أنه أحسن السيرة وكذا يشهدون في قائده أبى حمزة فلم يكن واحد منهما يعرف للحياة في القصور ولا بين القيان طعما، بل كانا
- 139