أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق فرحات بن علي الجعبيري

أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق

الجزء ١ · صفحة ١٣٣

كأبسط واحد من الرعية يسعدان لأفراحها ويألمان، لالأمها، فالحاكمية الله وحده في هذه الأمة، ولا ننسى أن شعار هذه الطائفة من الناس من يومها الأول لا حكم إلا لله، وليست كلمة حق أريد بها باطل كما قيل، وإنما هى كلمة حق أريد بها حق، ولا منارة للحق إلا إذا

خضع الحاكم والمحكوم لحكم الله المتجلي في كتابه الكريم وفي سنة نبيه الشريفة. لا أريد أن أمضي في تفصيل ما جاء في القرآن الكريم من كليات في ضبط علاقة العدل والإنصاب بين طرفي الأمة، بين الراعي والرعية، أي بين الإمام والأمة، لأن هذا مبسوط في كتب الأحكام ولا تخفى على أحد، إلا أن المهم في أن هذه المعاني التي أشار إليها أبو حمزة جاءت قبل أن يعرف الناس التنظير، بل هي عند الأباضية خاصة أصل التنظير. ثم أن هذه السياسة قائمة على أساس أرقى من أن نظهر نعدل في أحكامكم، وهو أساس «أحسن الى من أساء إليك وفعلا فقد أساء أهل صنعاء وعلى رأسهم الوالي وعامله على حضرموت لطالب الحق، فما كان منه إلا أن عفا عنهما، ومكنهما من حريتهما المطلقة، ولكن كما يقال أن اللئيم إذا أكرمته تمرد كما سنعلم فيها بعد أن كل هذا كما نرى ليس مجرد قول، وإنما هو العمل إذ لا قيمة للقول والوعود بدون عمل، وما أكثر وعود الذين يتربعون على الكراسي في اليوم الأول، وما تربع أبو حمزة على كرسي، وما كان يرغب، وإنما هو طالب حق مع طالب الحق وهمهما في «أن نظهر نعدل في أحكامكم».

ولم يكن هذا النوع من الإمامة ليتوجه وجهة وراثية، وقد ذكرنا أن أبا حمزة ألح كل الالحاح في تحول الخلافة بين الخلفاء الراشدين على نفي عنصر القرابة والوراثة، وحقيق لمثل من يؤمن بهذا المبدأ أن يثور على حكم توارثه الأمويون قرنا من الزمن، جاثمين على صدور العباد، كأن البطون الأخرى عقمت عن ولادة الأئمة. أما عن العلاقة بين عناصر الأمة فهي الأخوة في الله وفي الله وحده فأقبلنا من قبائل شتى قليلون مستضعفون في الأرض فآوانا الله وأيدنا بنصره وأصبحنا - والله الحمد - بنعمته إخوانا». يا لها من أمة، أليست صورة طبق الأصل للأمة التي إجتمعت حول الرسول محمد عليه السلام، وخلفائه البررة الكرام، لا تربط بين أفرادها لا الرباطة العرقية البغيضة، ولا العلاقة المصلحية الآنية، وإنما هي الأخوة الصادقة لإعلاء كلمة الله. وإذا أردت أن تتعرف على معدن أفرادها فهم على عكس ما عرفت من قبل من انصار بني مروان، الذين غلب عليهم الشيطان، لأن هؤلاء إهتدوا بهدى الرحمن، وانطلقوا في محاربة الطغيان، ومهما أوتيت وأوتي عيري من بيان، فلن نصل إلى تعريف أصحاب أبى حمزة كما عرفهم هو في خطبته التي سارت بها الركبان وصارت احسن رمز للبيان على مر الزمان.

-18.-