أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق فرحات بن علي الجعبيري

أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

لقد عيره أهل الحجاز بحداثة أصحابه، فقلب الذم إلى مدح، وشاهده في ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم إن أصحابه شباب ولكنهم ليسو كالشباب، إذ يعلم الناس أن الشباب شعبة من الجنون، إنهم شباب في أجسامهم وأعمارهم لكن عقولهم

إكتهلت واكتملت فهي في منتهى الرصانة لا يعرف التهور إليها سبيلا.

وقد كان لهذا الاكتهال أحسن الأثر في السلوك، فإن كان أمثالهم من الشباب يرتع، ويمرح وينحرف، فإنهم أعرضوا عن الباطل، إعراضا وولوا وجوههم شطر الخير والصلاح، فعميت أبصارهم عن كل منكر، أما أرجلهم فلم تعرف إلى الحرام طريقا. ولم تكن هذه الاستقامة ناتجة عن الاكتهال فحسب، لأنه كم من كهل إنحرف، وكم من شيخ تصابي، وإنما هو التعايش المتواصل مع القرآن الكريم، لا يقرأونه فلا يتجاوز حناجرهم كما يدعي خصومهم الغارقون في القراءة التي لا تتجازو، الشفتين وإنما هم بكاؤون عند قراءته على مسلك أبي بكر، يتضاعف هذا البكاء فيتحول إلى شهيق بين آيات الوعد وآيات الوعيد.

تلك

هي حالهم أيام السلم تقوى وصلاح، وأخوة، ووئام حتى تخال أنهم لا يعرفون إلى ميدان الحرب سبيلا، ولكن أبا حمزة يفجؤك وهو يتحول بك مع هؤلاء في نصرة الحق، ومقاتلة الجحافل المناصرة للباطل إنه إقدام منقطع النظير، تتلقى فيه الضربات بالنحور، لا بالظهور، ولأنهم الكرار وليسوا بالفرار إنه الشراء في سبيل الله في أعلى مراتبه فأما النصر وإما الشهادة ولا ثالث لهما.

6

إنه لمشهد مثير يختم به أبو حمزة هذا التعريف بأصحابه الذين تحولت أعضائهم الطاهرة الزكية إلى أفواه السباع ومناقير الطيور الكواسر إنه الترحم على شهداء الحركة بما فيه من دفع للأصحاب حتى يبقوا على العهد وردع للأعداء الذين كانوا سببا في أن تتحول هذه الأعضاء الخاشعة والعيون الدامعة، إلى أشلاء في أفواه السباع الضارية ومناقير الكواسر

الجارحة.

أين هؤلاء من أولئك وشتان بين الثرى، والثرية وهل تقارن أسفل الدركات بأعلى الدرجات أولئك حزب بني مروان أنصار الشيطان، وهؤلاء حزب الرحمن، وأهل القرآن. بقيت السياسة المالية للإمامة التي يدعو إليها أبو حمزة الذي شنع بموارد بني أمية الحرام، وبنفقاتهم الحرام إنها تتلخص في سطور قلائل «إن نظهر. نقسم بينكم»، «النفر منا على بعير، واحد وعليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافا واحدا، وهذا متى، بعد أن أظهرهم الله على اليمن، وآلت اليهم خزائن بني ثقيف ولاة اليمن التي جمعوا فيها الأموال تجميعا، وقد علمنا ما فعلوا بهذه الأموال، طبقوا فيها شرع الله إذ المال الذي جهل أصحابه الفقراء أولى به.

-181 -