أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١٣٧لكن أهل اليمن لم يروا إلا أمورا لعلهم إلى الإستخفاف بها، أميل ما لهذا الرجل يفرغ خزينة الدولة ليوزعها على الفقراء ودولته في أشد الحاجة إليها، أنه حق ولكنه يصعب أن يستساغ لدى من لم يتعود على الحق؟ ما لهذا الأمام يعفو عفوا مطلقا عمن لو وقع في يديه لذبحه ذبحا، وأرسل برأسه إلى دمشق؟ أليس هذا العدو الذي ناصبه العداء، واعلن الحرب بقادر على ان يعيد الكرة، او على الاقل ان يطلع سادته على خطط الامام واصحابه في الحرب والسلم؟ ألم يكن من الأولى على الاقل ان يحتفظ بالوالي وعامله هذا
العامل الذي خان مرتين الى حين حتى تتضح الامور مع ردود الفعل لذي الدولة في مركزها؟. لكن الإمام سلك هذا المسلك عن حسن نية، وأراد فعلا أن يبرهن لأهل اليمن وغيرهم إنهم بحق ليسوا طلاب ملك، لأن مثل هؤلاء الناس إذا أدركوا الكرسي لا يفكرون إلا في إستبقائه ولو بوجوه الحرام، لكن طالب الإمامة بمعناها السياسي يسعى بأن يكن مثالا رجاء أن ينضم إليه الناس عندما يرون أنه على حق، لكن أنى للمحموم أن يرى العسل حلوا قد أفسد الداء حاسة الذوق فيه إن طعم العسل لم يتغير ولكن ذوق المحموم يعفن، كذا حالة أهل اليمن وغيرهم آنذاك، أفسد الظلم أذواقهم، فلا بد لهم من علاج، وفي الأغلب لا يكون الدواء إلا مرا ولن نقول بمراراة كمرارة التي يذيقها الأمويون لمخالفيهم، وإنما شيء منها مما تتحمله أحوال الحرب ولكل مقام مقال، وسنرى كيف أن علي بن الصحين عندما إحتج لديه أبو حمزة بيسرة السلف قال لكم زمان، سيرة، ألم يأمر الرسول عليه الصلاة السلام بقتل بعض المخالفين، ولو تعلقوا بأستار الكعبة؟ لكن للامام عذره لانه أبى إلا أن يكون مثالا في الإلتزام بالمبدئ محسنا الظن بالناس، فلم يكن منهم إلا أن قابلوا الإحسان بالإساءة فالذنب ليس ذنبه، وإنما هو ذنبهم، وأجره عند الله كامل.
* لماذا الحجاز ثم الشام في ظرف شهر؟ لقد استطاعت الدولة الأموية رغم تصدع أركانها أن تصد جميع الهجومات الثورية لكنها تحطمت أمام بناة الملك الجدد الذين كانوا من نفس الطينة، خططوا وتربصوا، وانتظروا الفرصة السانحة، فادركوا الملك الذي يطلبون، ولم يربح العالم الإسلامي إلا تغير الاسم من عصبية أموية إلى عصبية عباسية توارث أصحابها الملك ردحا من الزمن ليس بالقصير. إنطلق أبو حمزة بعدد قليل، وبإيمان راسخ، ليجهز على الدولة الأموية في عقر دارها وكما علمنا كانت الخطة أن ينقسم هذا القليل إلى شطرين نصفه للحجاز والنصف الآخر لبلاد
الشام.
- 144 -