أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق فرحات بن علي الجعبيري

أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

نعم من حق أبي حمزة أن يثور، ألم يكن يتردد على الحرمين الشريفين معدن البر والتقوى، فلا يجد إلا فسقا وإنحرافا، ألم يتحول موسم الحج إلى موعد بين المغنين والشعراء والعشاق؟ الم تصر مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتحب فيها المنتحبون لا من خشية الله، وإنما جزعا لفراق الفاسقات؟ نعم من حق عبد الله بن يحيى وهو يتولى القضاء في اليمن أن يقول

فاسقة

من

أنه رأى باليمن جورا ظاهرا وعسفا شديدا، وسيرة في الناس قبيحة، مبينا أنه لا يحل المقام على ما يرى، ولا يسع الصبر عليه، وقد علمنا ما ذاقت اليمن السعيدة التي أرادت أن تزداد سعادة بالمسلمين من قسوة الثقفيين الذين توارثوا فيها كرسي الولاية صاغرا عن كابر كما توارثوا روح الطغيان عن بعضهم البعض.

وفعلا تم الأتصال مع مركز الدعوة بالبصرة هذا المركز الذي ما يزال يستعد للظهور منذ أن حول الأئمة فيه مسار حركتهم بعد أبى بلال من الشراء إلى القعود والكتمان. هكذا كان مسلكهم مع الأمامين عبد الله بن أباض وجابر بن زيد يقوم على تنظيم حركة سرية تكون الأنصار وتدفع بهم إلى الأمصار حتى يحين الوقت للثورة والظهور، ثم جاء أبو عبيدة فأحكم مسار الحركة إحكام واستجلب الدعاة من أطراف البلاد من اليمن والمغرب وعمان خاصة، وعبأهم تعبئة إيمانية صادقة في سرداب من سراديب البصرة ومصنع من مصانع القفاف، وهو في الحقيقة مصنع للأئمة والمجاهدين.

إلى أن أهل هذا السرداب - وهو واحد منهم - أطلق عبد الله بن يحيى صيحة، فدوت جنباته مهللة، ولبت نداء أبنه البار، فقذفت باطل اليمن بفلذات كبدها ومن بينهم أبو حمزة.

أبو حمزة المختار بن عوف السليمي الأزدي، الذي ورث الشجاعة من أصله العربي المجيد، وزادها صقلا وتهذيبا في صحار أعرق الأمصار، ثم أستقبلته حلقات أبي عبيدة بالبصرة أحسن استقبال فأذكت فيه شعلة الغيرة على الدين لما وجدت فيه من نبوغ منقطع النظير، وأنتدبته لتحسس الأخبار في الحرمين الشريفين حيث يتولى أمر الدعوة أبو الحر على بن الحصين، فانبرى في كل محفل يدعو جهارا إلى مخالفة بني مروان وإلى إقامة دولة القرآن والإمامة التي تبدد كل طغيان، وذلك بأفصح بيان لما وهبه الله من ذلاقة لسان، فتصدى له زبانية مروان وأذاقوه من جلد السياط ألوانا، فلم يزده ذلك إلا إيمانا.

وما أن نادى منادي الجهاد لنصرة الحق حتى أنطلق شاريا ليردف العمل بالقول فلم يكن خارجيا سفاكا للدماء مستعرضا لدماء الابرياء، وإنما كان شاريا يأمر بالمعروف وينهى عن

المنكر باليد لا يقاتل إلا من يبدأه بالقتال.

-109 -