أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١٥٥نهى عنه إلى ما يهوى، وإن المستحق لعقوبة ربه من أخذ المعية متعمدا، ورجا على نفسه في النصب لربه، واتباع شهوته من الدنيا، ولذته فيها، وإن العالم بالله إنما يبكي لنفسه في دنياه رجاء السرور لها في الآخرة والبشرى بما أضحك المتقين.
فالله الله يا أخي أن تعمى بعد البصر، أو تضل بعد الهدى، وبعد معرفة الاسلام، وبعد إخلاص الطاعة لا بالتقوى، فإن أولى الألباب والنهى لم يكونوا أهل لهو ولا لعب، ولم يكونوا أهل نسيان ولا غفلة ولا أهل راحة ولا فترة ولا أهل تلذذ بالدنيا ومطايب عيشها، ولم يكونوا أصحاب نعيم ولا فخر، ولا أصحاب أبل ولا بقر، ولا أصحاب خيل ولا ركب، ولم يكونوا أصحاب رغبة في مال ولا أهل ولا ولد ألا ما أعطاهم الله، فان كثيرا رفضوه عن أنفسهم، ورفضوه الى ما يخافون عيبه وآثروا به أهل الفاقة من خلقه، تخوفا أن يفسدهم ذلك عن الله، فيبطروا، ويشروا، ويمرحوا ويشغلهم ذلك عن الذي وكلوا به، والذي هم به معنيون، فكان الأقل من الدنيا أحب إليهم م الشبع ما لم يجهداو، وهم في الشبع على أنفسهم أخوف وفي الجوع أرجاء وأذكر، وكان الفقر أحب إليهم من الغنى، وهم في الفقر أعبد الله وأتقى، وفي الغنى أنسى الله وأعصى، لضعفهم عن الشكر وحبسهم ما ليس لهم، وأستيثارهم به عن أهله، وكان البلاء أحب إليهم من الرخاء، للذي يرجون من الأجر، ويخافون من الإثم في الرخاء، ولم يكونوا بطالين في العشيات والضحى، ولكنهم كانوا يصبرون انفسهم مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهة) [18 الكهف 28] ويجعلون عشياتهم وغدواتهم معادن لذكر الله وعبادات، ومحاضر فكانت مضاربهم التي يجرون فيها أنفسهم، وخيلهم طاعة الله وذكره بالغدوة، والأصال زجلهم فيها وأصواتهم القرآن، ومنازعتهم وشغلهم ذكر الرحمن يسارعون بها في ذلك الليل والنهار، ويذكرونها تعاهدا بالعشي والإبكار نصبا الله بعبادته وسابقة إلى رحمته التي أمروا بها، وأمروا بالتعاهد لها، يسابقون إليها أهل السباق وأهل اليقين بعلم يوم التلاق، وينافسون أهل العمل الصالح ليدركوهم أو يسبقوهم، ويضمرون بطونهم وأجسادهم تحففا من الربو والبدونة، ويتخوفون أن يثقلوا عن جزيهم أو يقعدوا عن سفرهم، أو يسبقوا في يوم مجاربهم، ويوم سبقهم، يؤخذ السبق الذي جعل لهم دونهم ويمنى به غيرهم.
،
وهكذا الأكياس يصنعون، فكانت أنفسهم خيلهم التي يجرون ومضامرهم مجالس الذكر
التي يحضرون يغدون إليها ويروحون ومساجد الله التي يعمرون يبيتون فيها سجدا، وقياما، ولا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فهي القلوب والأبصار) [24 النور،37] هي، مضامرهم وعاداتهم التي إليها يغدون،
- 162 -
-