أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ١٥٦وإليها يروحون، وكان ضمارهم الصيام فبطونهم التي يجيعون وأبصارهم التي في ليلهم يسهرون أناء الليل سجدا وقياما وبالأسحار هم يستغفرون) [51 الذاريات 18] يعملون أبدانهم ويتحملون على أقدامهم وينضبون أنفسهم في العبادة، فتحملوا المكارة من طاعة الله، والمؤنة من العبادة وتعاهدوا الفريضة، وأتبعوا السنة، ولزموا ذكر الله من الحمد والتسبيح بالغدي والعشي، يروحون بذلك وبه يغدون يذكرون النعم التي يخافون كفرها، ويكثرون ذكر ربهم لئلا ينساهم عند فضله، وما أنعم عليهم به فينزع ما أعطاهم، ويغير ما بهم ويرغبون في أستتمام ما أنعم عليهم به ليزدادوا به من خير ما عنده، ويستوجبوا المزيد من فضله وثوابه، ورفضوا الدنيا وأقبلوا قبل الآخرة، كأنها نصب أعينهم، إليها يسارعون، وإليها يسابقون، فكأنها الدينا غائبة عنهم، ليروا مع أهلمها وليسوا منهم، ويروا فيها وهم في غيرها، يقينا بما أبصروا وعلما بما نظروا خوفا مما حذروا، فأدركوا باليقين ما طلبوا، وأمنوا بالخوف ما كرهوا، وسبقوا أهل كل سبق مسارع، وأهل كل مسارع الى متسرع، فاستراحوا وروحوا، وروح عنهم قبل كل شاخص ناصب وقبل كل متعب تاعب، وقدموا قبل كل سريع سابق فنزلوا المواطن وتوطنوا المنازل قبل كل مرتاد طالب، وقبل كل مسارع مسابق في خير ما طلبوا، وفي خلاف ما سارعوا وسابقوا.
به
وأعلم أن كل مرتاد وماهد ومسارع ومسابق، ينوي نفسه قبل إنقطاع الدنيا عنه، ويمهد لها ويسابق لها، أما منزل غبطة لا ينبغي عنه حولا، وأما محل نقمة لا يجدون دونه موئلا، حين ليس لنادم من ردة من بعد إنقطاع المدة، وإنما يمهد لها الجنة أو النار إما مسابقا إلى الجنة أو النار، وإما مشغولا بما له أو عليه أو ساعيا بما يسعد به أو يشقى، أو لاهيا بما يصيب الراحة أو تعبا مع العناء. فالله!! الله!! فإنك قد سمعت ورأيت ما يتحدث الناس به، ويخبرون عن من مضى من أصحاب رسول الله عليه السلام كيف ساروا حين ولوا وتولوا، وحين غنموا واستغنوا حين ملكوا وملكوا وحين صاروا حكاما على العباد وملوكا في البلاد، وكيف تحول بعضهم عما كانوا عليه يحمدون ويذكرون وكيف أصبحوا اليوم يذمون ويمقتون بما أحدثوا وتركوا من سبيل ربهم وسنة نبيهم.
وأذكر أبا بكر وعمر بن الخطاب، وأذكر عمارا وأبا بلال وجابرا وشراة المسلمين رحمهم الله، وأذكر عثمان وعليا وطلحة والزبير ومعاوية. واذكر أهل الحق والباطل ممن مضى من هذه الأمة والقرون الأولى، كيف كانوا وإلى ما صاروا بعد كل شيء جاءهم وبعد متابعة النبي عليه السلام، وبما نجا من نجا وبما هلك من هلك، وبما حمد من حمد، وبما ذم من ذم، فأركب