أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٣١والى جانب سياسة الأمويين الهادفة يذكر ما نال اهل المدينة ومكة من خير الجوارى وأرفعهن نسبا والأمراء تأدبا، ومنهن من تربت ببيت الملوك والأمراء وتأدبت بأداب الحضارة فنقلن ذلك الى الحجاز وصبغنه بالصبغة العربية، وكان لهن الفضل في تأسيس مدرسة الغناء بالحجاز). وفي هذا المضمار يطوف بنا أبو الفرج الأصفهاني في أطراف مكة والمدينة ونواديهما ومجال الأنس فيها فنجد ما لا يخطر على بال حتى يدخلنا الريب أنحن في الحرمين حيث كانت الأرض متصلة بالسماء، أم بدلت الأرض غير الأرض وتمرد الأحفاد على مسلك الرعيل الأول الذي لم يعرف في حياته إلا الجد والتفاني في الدعوة الى الله، ذاك هو الواقع وان كان أليما وثقيلا على النفس الطاهرة التي لا ترى في الحرمين إلا القداسة.
(4)
وهل لك أن تعيش مع هذا المشهد لتدرك كلف أهل الحجاز بالغناء والمغنين أجتمع أبن سريج ومعبد والغريض وكتبوا لحنين (وهو) بالعراق يقولون: نحن ثلاثة وأنت وحدك فأنت اولى بزيارتنا، فشخص إليهم .. وأجتمعوا بمنزل سكينة فلما دخلوا أذنت للناس إذنا عاما فغصت الدار بهم .. وازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط الرواق على من تحته ومات حنين تحت الهدم وإن بدا لك هذا المشهد غريبا فأنظر إلى أهل المدينة وهم ينتحبون بكاء، لماذا يا ترى؟ المصاب جلل!! نعم إنه لمصاب أن تفارق سلامة المغنية محيطهم: «قدمت رسل يزيد بن عبد الملك المدينة فاشتروا سلامة المغنية من آل رمانه بعشرين ألف دينار. . . فخرجت حتى نزلت ساقية وشيعها الخلق من أهل المدينة، فلما بلغوا الساقية قالت للرسل: قوم كانوا يخشونني ويسلمون علي، ولا بد لي من وداعهم والسلام عليهم، فأذن للناس عليها فانقضوا حتى ملأوا رحبة القصر ووراء ذلك فوقفت بينهم ومعها العود فغنتهم:
فارقوني وقد علمت يقينا ما لمن ذاق ميتة من إياب قال عيسى وكنت في الناس، فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت وأنتحب الناس بالبكاء عند ركوبها، فما شئت ان ارى باكيا إلا رأيته (1)
وإذا قلنا غناء فما وقود ذلك إلا نساء وشعراء وشعر ومجالس، أما عن النساء فقد اشتهرت إثنتان بدلالهن وتفننهن في هذا المضمار، إحداهن سكينة بنت الحسين وقد كانت أحسن الناس شعرا وكانت تصفف جمتها تصفيفا لم ير أحسن منه وكانت الجمة تسمى السكينة
) أحمد أمين - فجر 179
9) نقلا عن احمد امين - فجر 176 - الاغاني 122/ 2 - 123. (10) الاغاني - 345/ 8.
- 36 -