أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٣٢كما أن هذه المجالس لا تخلو غالبا من الخمرة وهذه جميلة تقول (وقد أجتمع لديها مغنون من مكة ضيوفا عندها وبعض من مغنى المدينة ما أحسن مجلسنا لو دام إجتماعنا، ثم دعت بالغذاء فأتى بألوان الأطعمة وأنواع من الفاكهة ثم قالت: لولا شناعة مجلسنا لكان الشراب معدا ولكن الليل بيننا، فلم يزالوا يومهم ذلك بأطيب مجلس وأحسن حديث، فلما جنهم الليل دعت بالشراب ودعت لكل رجل منهم بعود وأخذت هي عودا فضربت. . . (13).
ومما يذكر في باب لطف معاملة الجلساء والرفق بهم ومراعاة منازعهم الخاصة والحرص على عدم إحراجهم عدم إلزام الحاضرين بتناول الشراب وتلطفها (جميلة) في التماس ذلك منهم .... ثم دعت بأنواع الأشربة فقال عمر بن أبي ربيعة: لا أشرب، وقال إلى عتيق مثل ذلك فقال الأحوص لكنني أشرب، وما جزاء جميلة أن يمتنع من شرابها؟ قال عمر: ليس ذلك كما ظننت قالت جميلة: من شاء أن يحملني بنفسه ويخلط روحي بروحه شكرناه، ومن أبي عذرناه، ولم يمنعه ذلك عندنا من قضاء حوائجه والأنس بمحادثته، قال أبن أبي عتيق ما يحسن بك إلا مساعدتك، قال عمر: إلا أكون أخسكم إفعلوا ما شئتم تجدوني سميعا مطيعا، فشرب القوم أجمعون (18).
ولم يكن عمر بن أبي ربيعة حكرا على جميلة بل كان يريد أن تزول الفروق بين الجنسين وألا يكون بينهما حجاب ولذلك فهو لم يكن يفهم من موسم الحج إلا أنه معرض للجمال فلا يفرغ من تشييع إمرأة إلا قال الشعر الجيد يسبقها الى موطنها، ولا يلبث أن يسقط بين أيدي المغنين فإذا هو مصدر للهو والطرب لهذه الارستقراطية المترفة من أبناء قريش والأنصار فكان موسم الحج موسم شعر وغناء في الحجاز، فالصلة الجنسية حينئذ هي أساس الحياة الأدبية وغايتها بالقياس إلى عمر فهو لم يكن يتصور المرأة إلا على أنها مكملة للرجل لا يستطيع ان يعيش بدونها) وها أنا أدخل بك المطاف - وأنت تعلم قداسة هذا المكان الذي تساوى فيه الصلاة مائة ألف صلاة في غيره من الأماكن - لتلقى عمر بن أبي ربيعة، ما يفعل يا ترى؟ إنه بلغة العصر يعاكس إمرأة عفيفة، قدمت إمرأة مكة وكانت من أجمل النساء، فبينما عمر بن أبي ربيعة يطوف إذ نظر إليها فوقعت في قلبه فدنا منها فكلمها فلم تلتفت إليه، فما كان في الليلة الثانية جعل يطلبها حتى أصابها فقالت: إليك عني يا هذا، فإنك في حرم الله وفي أيام عظيمة، الحرمة فألح عليها يكلمها حتى خافت أن يشهر بها، فلما كانت في الليلة الأخرى قالت لأخيها: أخرج معي يا أخي فأرني المناسك فإني لست أعرفها، فأقبلت وهو معها فلما رأها عمر أراد أن يعرض لها فنظر الى أخيها فعدل عنها فتمثلت المرأة بقول جرير:
البشير المجدوب - الظرف 41 هامش 39 (1) الأغاني - 197/ 8 - 198. (19) الاغاني - 208/ 8 - 209
1
- TV-