أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٥٤ولا نشك في أن موقف أبن أباض هذا لم يكن ناتجا لا عن جزع ولا عن تسرع، وإنما هو التخطيط المسبق مع جابر بن زيد وقد زاد موقفه من أبن الأزرق توضحا لا يدعو إلى أدنى شك في رسالته لعبد الملك بن مروان حيث يقول: «إنا برءا إلى الله من أبن الأزرق وصنيعه وأتباعه لقد كان حين خرج على الاسلام في ما ظهر لنا، ولكنه أحدث وأرتد وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم). ومن هذا التاريخ - أي تاريخ إجتماع جامع البصرة 684/ 64 - تم الأنفصال بصفة نهائية عن المحكمة، وتسمى عبد الله بن أباض وجابر بن زيد مع جماعتهما بجماعة المؤمنين أو أهل الدعوة، أو أهل الإستقامة، ولم ينسبوا إلى عبد الله بن أباض إلا بعد ردح من الزمن فقبلوا هذه النسبة كما يشير إلى ذلك الدرجيني لأن أبن أباض أحد فضلائهم. وتتجلى عبقرية عبد الله بن أباض في رسالته لعبد الملك بن مروان هذه الرسالة التي سكتت عنها جميع كتب التاريخ رغم أننا نشك في توفرها في خزائن الأمويين لكن لما فيها من جرأة على الحكام الظالمين عامة والأمويين خاصة وقع إهمالها.
كلا إن التراث الأباضي حافظ على هذه الرسالة وتتمثل عناصرها في: عرض موقف الأباضية من عثمان ومن الأمويين لبعد الملك بن مروان والرد على اتهام جماعة أبن أباض بالغلو في الدين.
- وتعريف الذين خرجوا على الباطل.
والبراءة من الأزارقة.
والنصيحة والتمييز بين إمامة الهدى وإمامة الجور.
أما عن موقف أبن أباض من معاوية ودولته فقد عرضنا شيئا منه من قبل، فدل على أن الرجل عايش الأحداث عن كتب وميز بين غثها وسمينها، وفند حجة عبد الملك في قوله بأن الله قام مع معاوية وعجل نصره وبلج حجته وأظهره على عدوه، وبين له أن هذا النصر ليس بدليل على تأييد الله ورضاه إذ لا يعتبر الدين من قبل الغلبة في الدنيا وما إظهار طرف على آخر من باب الابتلاء للصالح والإملاء للكافر، ويختتم هذا الإحتجاج بما يبكت عبد الملك وغيره: فلا تعتبر الدين من قبل الدولة فقد يظهر الناس بعضهم على بعض، فقد أعطى الله فرعون ملكا وظهر في الأرض وأعطى الذي حاج إبراهم في ربه ملكا (15).
وفي هذا تعريض واضح بأن ملك معاوية فرعوني نمرودي بعيد كل البعد عن معاني الأمامة التي يدعو إليها أبن أباض. كما بين أن معاوية إنما أشترى الأمارة من الحسن
(14) ن. م - 165 (15) البرادي - الجواهر - 163
- 7.-