أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٥٥بن علي ولم يف له بما أشترطه عليه وعاهد الله العظيم ليوفين له وقد قال الله تعالى ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إن الله يعلم ما تفعلون) [16 النحل.19] وليس بالغريب أن ينقض الإيمان من ملكه فرعوني هرقلي، وأكثر من هذا فإن أبن أباض يحتج على عبد الملك في شأن معاوية من داخل آل مروان الذين حولوا (الخلافة) مروانية بعد أن حرص معاوية على أن تكون أموية من صلب معاوية لكن حفيده معاوية كان آية في التقوى وتركها للمروانيين يفعلون بها ما يشاؤون فيقول «فاتق الله يا عبد الملك ولا تخادع نفسك في معاوية فقد أدركنا أهل بيتكم يطعنون في معاوية ويزيد ويعيبون عليهما كثيرا في ما يصنعون» (16). أما المغالي في الدين حسب أبن أباض فهو الذي يعمل بغير كتاب الله الذي بين وسنة نبيه التي سن، إلا الذي غضب الله حين عصى، ورضي بحكم الله ودعا إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه وسنة المؤمنين بعده.
(17)
فالمغالون في الدين حينئذ عبد الملك وجماعته لا عبد الله بن أباض وجماعته، وبهذا رد الإمام هذه التهمة التي لا تزال تلاحق الأباضية إلى يومنا هذا إذ كثيرا ما يخلط الناس بين التمسك والتشدد فإن كان التمسك مدحه يرفع من درجة المؤمن فإن التشدد ـ وهو تجازو لحدود الله مذمة يحط من درجة من يرى فيه خيرا ومن غالب دين الله غلبه.
وتميز الرسالة بعد ذلك بين نوعين من الخروج أما الخروج الأول فهو عين الثورة على الباطل فيتبناه الإمام ويترضى عن أصحابه ولكن النوع الثاني من الخروج فهو خروج عن الدين كخروج أبن الأزرق وأصحابه في إستعراضهم للمحسن وللمسيء فإن أبن أباض يتبرأ منه ومن أصحابه كما ذكرنا قبل حين. ويأتي القسم الأخير من الرسالة مفعما بالنصائح القائمة على كتاب الله وعلى سنة رسوله، ومن خلاله تتضح المقابلة بين إمامة الضلالة وإمامة الهدى وفي هذا تعريض وتوجيه لعبد الملك وعرض ضمني لمنهج الأباضية في الحكم.
فإن الناس إنما يتبعون في الدنيا والآخرة، إمامين إمام هدى وإمام ضلالة: فإمام الهدى الذي يتبع كتاب الله ويقسم بقسمة الله ويحكم بحكم الله، وهو الذي قال الله عز وجل فيه وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا) [21) الأنبياء 73] وهؤلاء هم الائمة الذين أمر الله بطاعتهم ونهى عن معصيتهم. وأما أئمة الضلالة فهم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله ويقسمون بغير قسمة الله، ويتبعون أهواءهم بغير سنة من الله فهؤلاء الذين قال الله فيهم وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) [28 القصص 41] وفيهم قال: ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) [33 الأحزاب 1] وقال تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وأتبع هواه) [28) الكهف 28]
16) ن. م - 166
(17)
(17) ن. م - 164
-11 -