أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق فرحات بن علي الجعبيري

أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق

الجزء ١ · صفحة ٥٦

ولا يكتفي عبد الله بن أباض في هذه الرسالة بألا يعترف لعبد الملك لا بأمرة المؤمنين ولا بالخلافة، إذ يخاطبه في عدة مواضع بإسمه المجرد بل يتهمه بالمعصية والضلالة ما دام مقتديا بأسلافه أئمة الضلالة وأنت بعد على سبيلهم وطاعتهم تجامعهم على معصية الله وقد وقف مهدي طالب هاشم في تفنيد آراء من قالوا بأن العلاقة ودية بين عبد الملك وعبد الله بن أباض حيث يقول: وهذا الاتهام إتهام) عبد الملك بالغلو في (الدين لا يمكن بأي حال أن يفهم منه العلاقة الودية بين عبد الملك وعبد الله بن أباض، ولكن هذا الخط المعتدل، ومنهم عبد الله بن أباض عرفوا بألقاء الحجة على المخالف حتى في القتال وكما هو واضح من الرسالة أن عبد الله بن أباض أراد أن يعرض مبادئ فرقته على عبد الملك بن مروان. . . . (18) وغاية أبن أباض من هذا العرض أن يميز عبد الملك بين مسلك الكتمان لدى القعدة ومسلك الغلو لدى الأزارقة.

(1 A)

وفعلا قد أفاد الطرفان من هذه الهدنة ذلك أن الخلافة الأموية كان يكفيها ما حصل لها من بلاء من ثورات الأزارقة وغيرهم. كما أن الأباضية لم يداهنوا في المبدأ فجاء موقفهم صريحا من الحاكم لكنهم إختاروا عن بيئة مسلك القعود لتنظيم صفوفهم، وإسترداد أنفاسهم للتعبئة للمستقبل لأن عمر الدول قصير وإن طال ولا بد للظلم أن ينجلي مهما طال أمده.

تلك

(14)

هي رسالة عبد الله بن أباض صراحة جارحة في غير تهور وحجة شرعية لا يمكن أن ترد، وبيان سياسي واضح المعالم وموعظة إيمانية صادقة، عسى أن يثوب عبد الملك الى رشده إذ يدعوه في آخرها إلى إمعان النظر فيها وقت الفسحة فأنشدك الله لما قرأته (الكتاب) وأنت مشغول حتى تتفرغ له وتدبر معانيه وتنظر فيه بعين البصيرة وعند هذا الحد يطوي التاريخ الله بن أباض فلم نجد له ذكرا بعد خلافة عبد الملك وذلك شأن كل الأنشطة السرية لا تأتي أخبارها متتابعة متكاملة ولا يستطيع الباحث تتبع خيوطها إلا بعناء. لقد سبق أن عرفنا الصلة الوثيقة بين أبي بلال مرداس وجابر بن زيد ذلك أنهما لا يفترقان إلا من صلاة العشاء إلى صلاة الفجر رغم بعد المسافة مسكنيها.

أخبار عبد

كما أنهما كانا على درب واحد في فهمهما للأحداث التي فعلت فعلها في المجتمع الإسلامي، وقد علمنا موقفهما من السيدة عائشة أم المؤمنين حول معركة الجمل، ونعلم من خبر أخر أن جابر بن زيد لم تشغله السياسة عن العلم والتعلم، ولا قيمة للأنشغال بالسياسة في المحيط الإسلامي لمن لم يتبحر في جميع العلوم الإسلامية لأن السياسة جزء من الدين ومن يأتيها عن جهل بأمور الدين يهلك نفسه ويدمر من حوله من المسلمين. وهذا الخبر يتمثل في أن جابر بن زيد لم يكن ليكتفي بما يكتفي به طلاب العلم العاديين، وإنما كانت له رغبة

(18) مهدي طالب هاشم - الحركة الأباضية - 68 (19) البرادي - الجواهر - 166.

-

62