أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٧٧وحالما التأم الجمع بحضرموت هبت الجماعة لمبايعة عبد الله بن يحيى إماما للظهور، ولم
تدقق فيه الطبول، وإنما خر فيه الحاضرون ساجدين لرب العالمين راجين من الله حسن القبول وهم على علم بما ينتظرهم من العمل الدؤوب لإرساء قواعد هذه الامامة في واقع الحياة بما سيلقون من بلاء ممن تربعوا على كرسي (الخلافة) منذ ما يقارب القرن، هؤلاء الذين أنطلت حيلهم على كثير من الناس إذ إعتبروا معهم أن كل ثائر على الخلافة الأموية خارج عن الحق يجب أن يحارب وأثر هذه البيعة لم يكن من طالب الحق، وقد صار طالب الحق بحق إلا أن أنطلق ليسترجع الحق من مغتصبيه فاتجه إلى دار الولاية وهو بها عليم، لكن لا ليجلس إلى الوالي وإنما ليجلس مجلس الأمامة مكان الوالي وهو آنذاك أبراهيم بن جبلة، ويتحول الوالي من دار الولاية إلى السجن لكنه ليس كسجن الحجاج وأمثاله، وإنما هي إقامة جبرية مؤقتة في الحفظ والأمان، الغرض منها حماية الوالي لا، تعذيبه، وفعلا لم يمض يوم حتى خير الوالي بين الأقامة في دولة الأمام عبد الله بحضرموت له ما للأمة وعليه ما عليها، وبين المغادرة حيث يشاء بدون قيد ولا شرط.
إنها السماحة بعينها، وإنها لاقوى دليل على أن الدولة الجديدة لا رغبة لها في سفك الدماء وإنما همها أن تنصف المظلوم وتقيم العدل في ظل شريعة الإسلام ولكن أنى لأبراهيم بن جبله مثل هذه المعاني السامية وهو أحد تلاميذ بني ثقيق، وإنه الكرسى في النهاية فكل الناس يرغب في الصعود إليه ويكره النزول منه ولو برفق مثل هذا الرفق وما أن أطلق سراحه حتى سارع إلى صنعاء حيث يقيم القاسم الثقفي والي الدولة الأموية على اليمن بما له من قوة وعتاد، وما أن بلغه الخبر وتأكد ذلك بوصول أبراهيم بن جبلة حتى بدأ يستعد للمواجهة. أما حضرموت فقد صارت مركز أمامة الظهور وطار الخبر إلى أطراف البلاد ووصلت الجموع الأباضية من كل مكان لتعيش في ظلال الأمامة الفتية ولتضحي من أجلها بالمال والنفس وبكل غال
ونفيس.
ولا شك في أن الامام عبد الله يعلم أنه لا يمكن أن يستقر له الأمر إلا بالتمكن من صنعاء، وما قيمة أمامة ظهور لا تنشر الحق إلا في اليمن فحسب، وإنما في أطراف البلاد، لم لا يكون ذلك في الحجاز؟ وحتى في الشام معقل الأمويين ومركز قوتهم وعسفهم وتلك كانت
الخطة فعلا.
-