أبو حمزة الشاري حياة من أجل الحق
الجزء ١ · صفحة ٩٠وهذه الشهادة من رجل خضعت له الفصاحة رغم أنه مولى تدل على ما عرف الإمام عن
تليمذه من قدرة بيانية منقطعة النظير في هذا المجلس ومن قبل في مجلس التعلم، وإننا لنقطع أن المختار كان من النخبة التى جلست في سرداب أبي عبيدة القفاف هذا السرداب الذي تخرج منه جميع عباقرة الحركة، ففيه ينالون التدريب على أسرار القيادة علما وعملا، ففي العلم نبوغ وفي العمل تفان. وكذلك لم يغفل هذا الفتى الذي جاء ليكسب كل أنواع التجربة عن حضور المجالس العامة مجالس الوعظ والإرشاد هذه المجالس التي يكثر فيها الإمام من ذكر الجنة ونعيمها والنار وعذابها إلى حد إنه «تخنقه العبرة في موعظته وينتحب بالبكاء، ويشفق وينهق وما يملك دموعه (11)
(11)
ولم تكن العامة أقل وعيا من النخبة وها هم ذات يوم يلحون على أبي عبيدة بأن يتحول عن الوعظ العام إلى الحديث عن الأحوال الراهنة، فلما سكت (أبو عبيدة) ..... . وثب إليه أبو الوزير فقال: يا أبا عبيدة لو أردنا الجلوس إلى ما كنت فيه الجلسنا إلى من هو اوصف لما كنت فيه منك من قومنا ألا ترى أمر أصحابك وتحض على نصرتهم والعون لهم؟ فنحن إلى ذلك أحوج منا إلى ما كنت فيه يعني عبد الله بن يحيى وأبا حمزة المختار، قال فقال أبو عبيدة: يا أبا الوزير إنما يتكلم الرجل بقدر ويسكت إلى أجل وهنا تتجلى حكمة الإمام فهو لم يثر على أبى الوزير وإنما أجابه بهدوء تام على أن لكل مقام مقالا، ومثل هذه البراعة في حسن التخلص تستفيد منها النخبة من رواد هذه المجالس العامة ليحسنوا فنون سياستها إذا تحولت قيادتها إليهم.
(12)
ولم يكن للمختار أن يستغني عن أستفتاء شيخه. وقال: جاء المختار بن عوف إلى منزلنا الربيع بن (حبيب فخرج إليه أخ لي صغير. … فأخذه وقبله. فقال له الصبي يا عمي زوجني أبنتك. قال قد فعلت يا بني، وأبنته يومئذ صغيرة، فلما خرج أبو حمزة وقع في قلبه مما قال الفتى شيء، فمضى حتى دخل على أبي عبيدة، فقص عليه القصة، فقال: يا أبا حمزة هما في نكاحهما حتى يبلغا، فيعلمان الخبر فإن رضيا كان نكاحهما جائزا، وإن كرها فلا شيء. قال أبو حمزة فكيف القول في الصداق، قال ما قال الغلام قال وكان أبو حمزة قد قال للغلام يا بني فما تعطيها؟ قال: من سرير جدي إلى الباب، دراهم، قال أبو عبيدة فهو كما
قال. .
11) الديوان المعروض على علماء الأباضية خ البارونية - 587
(12) الدرجيني - طبقات 259/ 2 - 206
13) ن. م - 245/ 2 - 246.
- 9 V-