الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٠أبو زكرياء بن أبي عبد الله التَّنْد ميرتي 7
37
شخصية من تلك الشخصيات التي تحتاجها الشعوب في أوقات الوهن والضعف، ولاة المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبد الله، حفيد أبي منصور … أبو منصور الذي عرفه التاريخ في أنزه موقف وقفه محارب، وبأشرف سيرة سارها أمير أما حفيده عبد الله فيكفي فيه ماقاله عنه أبو العباس: " أما أبو عبدالله، فلم الشـ عث، وكشف اللبس ورتق، الفتوق، ورقع الخروق " ومن هذه الأسرة الكريمة التي شرفها الإسلام، وشرف بها المسلمون انحدر أبو زكرياء.
ولاه المسلمون أمورهم بعد أبيه أبي عبدالله، فبقي في هذا المنصب الخطير، منصب الأمير أو الإمام، ستين سنة، لم يتغير فيها خلقه، ولم يفسد طبعه، ولم يتغلب عليه الطمع، ولم
يدخله الغرور الذي يعبث بالنفوس من أصحاب السلطان. دأب منذ أسند ند إليه حكم الجبل أن يحاسب نفسه كل ليلة. ولا يأوي إلى مضجعه حتى يزن ما قام به من أعمال، ثم يميز جميع من يدخل تحت حكمه، فيعرف من يستحق الأدب، ومن
يستحق المواساة ومن له الحق، ومن عليه الحق.
دأب على هذه السيرة طول مدة إمارته خوفا من التقصير وخشية من العيّ عن الجواب يوم الحساب، إذ كل راع مسؤول عن
رعيته.
هكذا كان أبو زكريا يقضي وقته وهو أمير على جبل نفوسة شغل متواصل طول اليوم، ينسى فيه نفسه وأهله وماله، فإذا أوى إلى بيته في الليل، ليجد قليلا من الراحة. حسد نفسه عن أن تنال هذا القسط الضئيل من الراحة ونأى بروحه عن أهله وأبنائه، لأن المسلمين بقية حقوق تترتب بذمته لم يتأكد أنها وصلت إليأصحابها كما يوجب الحق والمروءة. وفي هذه العزلة الروحية، وهو في بيته، بعيد عن ضجيج الناس، يستعرض شريط اليوم ليرى فيه هذه المملكة التي يتولى أمرها، فيمر بين عينيه ذلك الشريط بما يحمل من صور الناس في الحياة. ويتذكر أبو زكريا من غفل في زحمة الحياة، وأنساه إياهم الدوي الصاخب .. فيمر بين عينيه في ذلك الشريط: القوي الذي اعتمد على قوته فأخذ من حقوق الناس ويمر به الضعيف الذي الضعف حتى عن الوصول إلى الحاكم، ويمر به الغني الذي
به
تجري الثروة بين يديه ومن خلفه، فيحيا حياة الرغد والرفاهية، ويمر الفقير الذي يتغلب على الحياة بالقناعة وينتصر على الجوع بالصبر ويستر العرى بالتواري عن مجامع الناس. وبعد أن يصفى حسابه مع الله نفسه ومع في يومه الماضي، ويضع خطوط العمل ليومه المقبل: بعد ذلك يعود إلى إعطاء
195
194