الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ٩٩

الإباضية

وكان إلى هذه القوة في الحق والمعرفة بالعدل ومجاريه، عالما

بأسرار الشريعة، يحارب الوسوسة والجمود، والتشدد في دين

الله.

كان يوما " بشروس " وقد نزل مطر غزير، فذهب إلى المسجد ومشى بخفيه حتى دخل المسجد، وصلى بالناس، ليزيل من أفكار الموسوسين المتشددين ما يظنونه نجساً مما يتطاير من ماء المطر في الشوارع. وقف له بعد الصلاة أحد المؤمنين الذين يعرفون من أحكام الإسلام مثل ما يعرف ويعرف من طبائع النفوس البشرية بعض الجوانب التي غفل عنها العالم الكبير، فقال له: " إن متولى الناس مثل اللبن، يغيره أدنى ما يقع فيه " وفهم الشيخ ما ترمى إليه هذه الملاحظة الدقيقة، واقتنع بوجاهتها، فسلم يعد لمثلها، فإن بعض الناس قد يفسرونها بالتهاون وعدم الاحتياط والاستهتار، وهؤلاء الناس قد لا يجسرون على إبداء آرائهم هذه. ومناقشتها بالحجة ليعرفوا حكم الله، ولكنهم يجعلونها مادة الحديث والتعليق، وتنسى القضية نفسها، لكن الحكم المترتب عليها من المتهاون والاستخفاف ينتقل من أذن إلى أذن، حتى يشيع وينتشر ..

.

كانت أم سحنون اللالوتية من فضليات العجائز، مؤمنة، عالمة، ناصحة، وكانت مزاراً للمشائخ والعلماء، تفيض عليهم من أدبها، وعلمها، وخلقها، ودينها ونصيحتها، وسار يوماً أبو في جماعة من المشائخ لزيارتها، فلما كانوا ببعض

عبد الله

الطريق، وقد قربوا منها، سمعوا أن حدثاً وقع "بجادو "، فاضطروا إلى الرجوع، واضطر أبو عبد الله بوصفه حاكم الجبل أن يعود ليرى

هذا الحدث الذي وقع بجادو، مدينة نفوسة، ومركز الحكم في أكثر الأحيان، غير أن أبا هارون لم يرجع معهم، وأتم ما عزم عليه من زيارة هذه المرأة الصالحة، فلما أخبرها برجوع المشائخ قالت: " يا أخي أخشى أن أكون ممن قيل فيهم: إذا زارت الأخيار فاسقاً سد الملائكة عليهم الفجوج وإذا زار الأشرار صالحا قيدتهم الملائكة

" 56

لقد كان أبو عبد الله من أولئك العلماء الذين امتلأت الكتب بأقوالهم وآرائهم وسيرهم، أما الصورة الكاملة لحياة هذا الرجل، فهي تشبه إلى حد كبير ما تقدمها من الصور التي عرفتها لأولئك الأعلام الذين وثقت بهم الأمة، فحملتهم أعباء الحكم … وساروا بتلك الأعباء الثقال، لا يتعثرون، يعملون لله والأمة. لا يغرهم السلطان، ولا تخدعهم المظاهر البراقة، ولا يلتفتون

إلى نعيم الدينا.

193

192