الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠١الإباضية
حقوق أهل بيت من أولاد وزوجة وغيرهم، ويصبح إنسانا كسائر الناس، يتكلم مع أهله وأبنائه، ويستعرض شؤونه الخاصة وموارد رزقه الطيب.
وعندما يقوم في الصباح ليتولى العمل من جديد، يكون أول ما في مخططه اليومي استخراج الحقوق ممن لم تستخرج منه، وإنزال أحكام الله على من يستحقها
كان شديداً في الله يتعقب الجناة والمجرمين، ولا يتهاون في ذلك أبداً. ذكر له: أن جانيا في قرية " جناون " آوى إلى أهله، وبات عندهم. فهجم عليه صبيحة العيد بعد ان صلى صلاة الصبح في مسجد أبي عبيدة وطلب من العزابة تسليم المجرم، وإيصاله إلى السجن في " جادو " حتى يحكم فيه بحكم الله.
وذكر له: أن جانيا آخر بات في " ويفات " وهي قرية تبعد عن جادو مركز حكمه ما لايقل عن عشرة أميال، فهجم عليه هو وأصحابه، وأنفذ عليه الحكم وقد حاول الجاني أن يعتدى على الأمير الشديد في أمر الله، وهم أن يطعنه بخنجر، فتلقى عنه الضربة أحد الحاضرين الواقفين بجنبه، فقال أبو زكرياء: يقال في
المثل: أحبك ولا كنفسي، وهذا الرجل أحبني فوق نفسه. تخاصم إليه رجل وإمرأة على مال وكان أبو يوسف الأجفري حاضراً، وهما من بلده، فقال له: ما تقول يا أبا يوسف؟ قال أبو يوسف: إن جزت على المرأة أسلّم وأسال لها العون، وإن أطعمتني أكلت … وإن مررت عليا لرجل لا أسلم، ولا أسال له العون، ولا أكل إن أطعمتني … قال أبو زكرياء للرجل: اسمع ما يقول أبو يوسف
يا أبافلان .. قال الرجل: مالي ياشيخ؟ قال أبو زكرياء: اسمع يا فلان ما يقول أبو يوسف، قال الرجل: مالي يا شيخ؟ قال أبو زكرياء: يا مرعون إن ذهبت إليه لأجعلنها في جنبك: يعنى السياط. إن الرجل الذي يتمادى على الباطل، ويستمسك بحق الناس. حقيق أن توضع في جنبيه السياط. كان أبو زكريا عالما من أفذاذ العلماء، ولكنه مع: سعة علمه أراد أن يطمئن في أحكامه إلى فتاوي من مشائخ يوثق بعلمهم وفهمهم، فاستنصح أبا محمد الدرفي، فنصحه أبو محمد أن يستفتي في نوازله، والمشاكل التى تعرض عليه الشيخين العالمين: أبا محمد الكباوي، وأبا يحيى الفرسطائي، فيحكم بما اتفقا عليه، ويتوقف فيما يختلفان فيه، فكان يستفتيهما، غير أن أبا يحيى كان يجيب إجابة العالم الواسع الاطلاع، فيناقش الموضوع مناقشة طويلة، ويبحثه من جميع نواحيه، ويستعرض الأقوال الواردة فيه دون ترجيح، أما أبو محمد الكباوي، فكان يقصد إلى أرجح الأقول، ويحدد الموضوع في إيجاز وتلخيص، وهذا ييسر العمل على الأمير الكثير الأشغال، فاعتمد على فتوى أبي محمد، ولما توفى أبو محمد، حضر جنازته وشيعه إلى مقره الأخير، وعندما أراد مغادرة المقبرة قال: سلام عليك يا كاباوى، ولما مر بقرب منزله قال: لقد أصبحت أيها المنزل كغيرك من المنازل. ثم استفتى بعده أبا محمد خصيباً.
حاول عدة مرات أن يتخلص من أعباء الحكم، وأن يلقى عن كاهله هذا الحمل الثقيل، ولكنه لم يتمكن من ذلك، لأن أهل
197
196