الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٢الإباضية
الشورى من المشائخ لم يوافقوا على ذلك أبدا.
وبعد: فما هو المبلغ الضخم الذي جمعه هذا الأمير حكم الجبل ستين سنة؟ وما هي القصور التى شادها؟ والجنان الفسيحة التي امتلكها؟ إنه لا شك جمع ثروة طائلة، تركها لأبنائه، وسوف ينعمون بها طيلة أجيال متعاقبة. أما هو وأسرته أن يكونوا قد نعموا بالمال، وعاشوا في رغد ورفاهية. ولعل في القصص الآتية شواهد تدلنا على مبلغ ما كنز هذا الرجل من مال، وجمع من ثروة.
فلا
بد
ولد له ولد فبعثت إليه زوجته تطل كمية من الزيت ب للاستصباح ودهن الطفل، فكم يا ترى يستطيع أن يبعث إليها في هذه المناسبة السعيدة؟ إن أي موظف بسيط أو شيخ قبيلة. يمكن أن يبعث لزوجه في مثل هذه الحالة ما يكفيها أسبوعاً، أو شهراً، وإذا لم يكن هذا المقدار عنده، استطاع أن يحصل عليه بأي وسيلة من الوسائل، أما هذا الأمير الذي يتصرف في مال الجبل كله، ويتحكم في تصريف ما في " نفوسة " من زيت لم يستطع أن يبعث إلى زوجه الحبيبة، وهي نفساء، وإلى طفله الوليد وهو يستقبل الحياة … لم يستطع أن يبعث إليهم شيئاً. لأنه لم يجد في ملكه الخاص ما يبعث به، أما أموال المسلمين. وزيوت الأوقاف التي تصرف تحت رعايته، فلم يستطع أن يمسها. لأنها أمانة في عنقه وهو أخشى الله من أن يخون الأمانة. وأبلغها أنه ليس لديه زيت وما دام لا يجد في ملكه الخاص زيتاً، فعليها أن تستصبح بالحطب، أما الوليد فيكفيه التنظيف
بالماء. وعلى زوجة الأمير أن تقنع بهذه الحياة إن كانت مؤمنة ترجو خير الآخرة، وإلا فإن هذا الرجل ليس برجل الدنيا الذي تغره الحياة بالنعيم الزائل ..
وفي القصة الآتية مثل آخر يبين لنا كيف يستطيع أن يجمع مثل هذا الأمير ثروته الطائلة، التي لا تنبض: مر على بعض الأحياء فاستضافوه، ولكنه اعتذر، فجاء صاحب الحي بعدد من الكباش، وقدمها للأمير وهو يقول له: هذا غذاؤك وغذاء أصحابك حيث لم توافق على البقاء!. فهل فرح لهذه الكباش؟ وأمر بسوقها ليضعها إلى ما جمع من ثروة؟
من
لم يفعل شيئا من ذلك، ولكنه أجاب صاحب الكباش بهذه الكلمة التي يجب أن توضع بين عيني كل صاحب ـلطة أولئك الذين يجمعون الرشاوي، ويبتزون أرزاق الشعوب، ولا يعفون عن أموال الدولة، قال: "لو كلفت بحمل قرونها ما قدرت. فكيف بحملها جميعا يوم القيامة " (58) وترك الكباش لصاحب الكباش، وعاش الطفل على نور الحطب وضرب أبو زكرياء لعبيد الدنيا المثل الرائع الذي يجب أن يتعظ به أولئك الذين تسند إليهم أمور الناس، ويؤتمنون على ثروات الشـ عوب لقد فنيت جميع الثروات التي جمعها الجبابرة، ولكن هذه الثروة الخلقية التي تركها هذا المؤمن الصابر لم تفنى ولن تفنى، وما عند الله خير وأبقى. حضر إليه بعض المشائخ في أواخر أيامه، وسأله عن رأيه فيمن يولونه أمورهم، ويسندون إليه حكمهم من بعده، فاختار لهم: أما أبا زكرياء اللالوتي، أو أبا يعقوب البغطوري، أو أبا داود
199
198