الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٣الإباضية
سليمان الدرفي.
لما أشتد عليه المرض رأى جماعة أن يرجعوا به إلى بلده تندميره، فحملوه، فلما أفاق من غش يته وجد نفسه محمولا، فسألهم عن ذلك؟ فأخبروه أنهم يريدون به بلدة " تندميرة " فأمرهم بإنزاله في موضعه، وكان قرب " تمزده " وهنالك فاضت روحه الطاهرة، رحمه الله، ولا يزال قبره مشهوراً معروفا هناك. واجتمع المشائخ بعد وفاته، فولوا مكانه أبا موسى عيسى - فاتبع خطاه وسلك مسلكه وسار بسيرته. قوة في دين الله وغلظة على العصاة والمجرمين وإيصال للحقوق إلى أهلها، وعدل بين الناس يستوى فيه الكبير والصغير، والجليل والحقير. أدب رجلا على عمل ارتكبه، فتألم ولم يصبر .. فقال له أبو موسى: أبلغتك حرارتها يا عدو الله؟ فقال المضروب: أو لم تذقها؟ فقال الحاكم القاضي العادل ذقتها وكانت لي رشداً وصلاحاً ترتب الحق يوما على داود بن علي، وكان من العظماء أصحاب الثروة مهيبا بين الناس، صاحب قدر ومقام. فلما أراد الحاكم أبو موس إقامة الحق عليه، أعرض ونأى بجانبه، وازور عن الحق، وثنى عطفه تكبراً أن يؤخذ منه الحق. ويقام عليه الحد، وقام من
مجلس الحكم …
رده
أمر أبو موسى برده، فلم يجد بين الحاضرين من يقوى على
وفكر داود بن علي في الموضوع، ثم رجع إلى مجلس الحكم، وطلب من أبي موسى إقامة الحق، وقال له:، رجعت إلى مجلسك
لتقيم على الحد لثلاثة أسباب: الأول: لا أريد أن أترك التكبر عن أخذ الحق سنة يتبعها كل
متكبر.
الثاني: تواضع مثلي لمثلكم لا يزيده إلا رفعة وعزا. الثالث: أن في أبناء الأمة غيري، ومن هو أعظم مني. وطلب أبو موسى من جديد إلى الحاضرين أن يقوم أحدهم بتنفيذ الحكم فلم يجد أحداً، فقام وهو يقول: " تعلم ربي أنه لو لم يكن رضاك إلا في نزع نفسى لنزعتها 59 ونفذ الحكم. ولست أدري أيها القارئ الكريم وانا أقص عليك هذه القصة هل تعجب مثلى بهذا الخلق المتين من الحاكم والمحكوم، بل إني لحائر بين الرجلين، لا أعرف أيهما أعظم، أهذا الذي يصر على تنفيذ حكم الله مهما كانت النتائج أم هذا الذي يحكم عليه، ثم تعجز سلطة الحكم عن تنفيذ قرارها، وبعد أن يتيقن أنه لا أحد يقوى على تنفيذ الحكم عليه، يجيء إلى الحاكم مستسلما خوفا من أن يترك سنة سيئة يقتدي بها الناس، فيما إذا ركبتهم الحقوق، وتعلقت بهم الواجبات … أنه خلق لم يوجد إلا في الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
201
200