الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

أبو هارون

موسى بن هارون

نشأ أبو موسى هارون بن هارون في " تملوشايت " وأخذ

مبادئ العلم عن مدارسها العامرة، ثم ألتحق بأبي التمصمصي، وفي هذه المدرسة التي أعدت أعلاما، وخرجت فحولا، تخرج أبو هارون، علماً من أعلام الإسلام. وبطلا من أبطال المؤمنين، وجدا لأسرة متسلسلة في العلم والإيمان والكفاح من أجل المثل العليا التي حارب من أجلها محمد صلى الله عليه

وسلم، وناضل عنها المؤمنون في كل زمان ومكان.

كان رحمه الله عامر القلب بالإيمان، براً تقياً، عفيف اليد واللسان، وكان مع ذلك ذا قوة وصمود في النضال عن الحق، وحمايته من أطماع الطامعين.

كان أبو محمد خصيب هو مفتى الأمير أبي زكريا التندميرتي د أبي. محمد الكباوي، وكان أبو هارون يحرص على حضور مجالس أبي محمد خصيب، لما يستفيده منه من علم جديد. ونزل أبو زكرياء يوما إلى جناون ونزل إليها أبو هارون، ولكن أبا محمد خصيبا لم يتمكن من النزول، لأن ضعف الشيخوخة حال دونه، واحتاج أبو زكرياء إلى فتوى فطلب من أبي هارون أن يتقدم

لها، ومن ذلك اليوم أصبح أبو هارون يفتى لأبي زكرياء، حتى لحق أبو زكرياء بالله، وتشاور المشائخ فيمن يلى أمورهم، فأسندوها إلى أبي موسى عيسى، ثم أسندوها من بعده إلى هذا العالم أحسن القيام بها، ورعاية شؤونها

الذي

في قرية " إبناين " التي لم يبق منها اليوم إلا أطلال دوارس. كانت إحدى العجائر التي يسميها المشائخ الجدة، وكانت تقية صالحة عالمة مؤمنة، تفيض على جلسائها بالخير والصلاح واعتاد أبو هارون أن يزور هذه العجوز فيقتبس من خلقها وعلمها ودينها، ولما أسند إليه الحكم، وألقى عليكاهله هذا العبء الثقيل، نقل مركز حكمه إلى هذه القرية الجميلة التي تحضنها الجبال البشرى، وتنبسط عند أقدامها الوديان الخضر، ليكون قريباً من هذا العقل البشري المستنير، وهذا القلب المؤمن الصافي … نصحه بعض المتملقين أن يشتري الأملاك الثابتة، حتى تبقى لأبنائه. من بعده، فأجاب هذا الناصح بقوله: " من يتبع منهم طريق الهدى لا يعدم من الله خيراً، ومن نبذه وراء ظهره فلا أعدمه الله جوعا ".

وقارن أيها القارئ الكريم بين أمير لا يترك لأبنائه غير الله، وأمير يجمع المال من كل سبيل، لا يفرق بين حلال وحرام، ثم يتركه لأبنائه يعبثون به، ويلقى الله بالحساب .. سار أبو هارون بأعبائه الثقال من شؤون الأمة، كما سار بها أولئك الذين سبقوه بالحسنى، أقام الحق بين الناس، الوطن وحمى

من عدوان المعتدين وغارات المغيرين.

203

202