الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

ملحة

أبو يحيى

زكرياء بن ابراهيم الباروني

نش

62

علم من أولئك الأعلام الذين يهتدي بهم الضال، ويثبت الحيران، ويلجأ إليهم الضعيف، جمع إلى غزارة العلم، وقوة الإرادة والشدة في دين الله كرما مطبوعاً، وحيا للخير متأصلا، ورغبة الله ر العلم، وهداية الناس إلى دين فين السوى، فقد اجتمع في تلك النفس المؤمنة الصادقة كل الصفات والمزايا التي يودعها الخالق في بعض خواص خلقه لأداء رسالة في التاريخ، لا يؤديها كل أحد، وقد تحمل أعباء تلك الرسالة، واستجاب له حتى أولئك الذين شذوا عمن قبله في أغلب المملكة الليبية، ودانت له الدنيا، وأعطى بسطة في العلم والمال 63. نعم لقد أعطى ـطة في المال حتى استطاع أن يفيض به على جميع الجبل، ولم يبق بيت من " ككلة " إلى " وازن " لم يدخله مال أبي يحيى زكرياء.

فهل تحصل على هذا المال بالطرق التي يعرفها الحكام في التاريخ القديم والحديث؟: وسائل غير شريفة، وطرق ملتوية، واستغلال نفوذ، ورشاوي وهدايا … إلى آخر ما هنالك من وسائل

الابتزاز التي يعرفها ذوو السلطة المنحرفون عن سبيل الله.

إن أبا يحيى لم يأخذ مليما واحدا عن طريق غير شريف، ولم يرزأ الأمة في قليل ولا كثير، ولم يجد قيد أنملة عن طريق أولئك السلف الذين لم ينحرفوا عن الطريق اللاحب الذي تركه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ثم سار فيه أبو بكر فعمر. فالصفوة المختارة من

عباد الله

المؤمنين.

كان أبو يحيى ينفق على الأقسام الداخلية في مدرسته العامرة التي تشتمل على عدد من الطلاب يتراوح بين الخمسين والمائة طالب، وكان لا يزوره زائر ولا يسمع بأحد ابتلى بضيق الرزق، وأصيب بالحاجة، إلا نفحه من كرمه، وواسى جرحه بماله، وكان الناس إلى مشاهدتهم لهذه الأفعال الكريمة والنفقات الباهظة المتتابعة يعرفون سيرته واستقامته وعفته، فلذلك كانوا يختلفون في طريقه حصول الشيخ على هذه الأموال الوافرة، يقول بعضهم: إنه عثر على كنز جاهلي، ويقول بعض: إن معه الإسم الأعظم، فهو يستطيع أن يرد الحجر ذهبا، ويرى آخرون: إنه عالم في الكيمياء – على حسب، ما يظن في الزمن القديم أن الكيميا تسـ تطيع أن تستخرج من النحاس أو غيره من المعادن ذهبا وهاجا - أما أكثر القوم واقعية فقد سأل الشيخ عن مصدر ثروته؛ فأجابه بالحق الصراح:

لقد قال له: إنه اكتسب هذا المال من التجارة، ولا سيما في أيام الشدة، فهو رجل يعرف كيف يعمل، ويعرف موارد الكسب الحلال، إنه لم يعثر على كنز، وليس معه اسم الأعظم، ولا علم بالكيمياء، ولا شعوذة يستغل بها الأفكار الساذجة.

211

210