الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

الإباضية

كان يقوم بمهمة التدريس إلى جانب قيامه بمهام الحكم والفتوى، وكان بمدرسته ما يزيد على ثمانين طالبا، وفي إحدى سنوات الجفاف التى كثيرا ما تصيب ليبيا، بلغت فيها الشدة مبلغاً أثرت على طلابه الذين ينفق عليهم في مدرسته العامرة. وتذاكر الطلاب النجباء هذه الحال، وظنوا أنهم اثقلوا على شيخهم في هذه السنوات العجاف، فقرروا أن يتفرقوا، وأن يلحق كل واحد منهم بأهله وبلده، حتى تنقضى هذه المحنة، وتبدل هذه الحال، ويغدق الله نعمته على العباد ..

وسمع الشيخ بما اتفق عليه طلابه، فأمر أن يقدم إليهم الطعام من غير زيت، وحين حضر الطعام، أمر أحد الطلاب أن يأخذ إناء ويحضر الزيت من المخزن وذهب الطالب النشيط وفي يده وعاء الزيت – وكان في المخزن مجموعة من الأزيان فكشف عن الأول ليأخذ الزيت ولكنه وجد الزير مملوءا مالا، وكذلك انتقل إلى الثاني، حتى كشف عن مجموعة منها، ثم خرج إلى زملائه، فقال له الشيخ: أخبر رفاقك عما رأيت، فلما أخبرهم، قال لهم الشيخ: لقد سمعت بما قررتم من الافتراق، وهذا المال الذي أخبركم عنه زميلكم إنما جمع لينفق به على طلاب العلم من هذه المدرسة، ولو ذهبتم أنتم لأنفق به على غيركم، كما أن بقاءكم هنا لا يثقل على، ولا يؤثر على حياتي. واطمأن الطلاب

إلى ما رأوا وما سمعوا واستمروا في كفاحهم العلمي. وكما كان عالما ومؤمناً وكريماً وقوياً في الحق. كان حريصاً على المحافظة على أمته ووطنه، يذود عنها في شجاعة واستبسال. حاول أبو يحي بن إسحاق الميورقي عدة مرات أن يحتل الجبل،

بعد ما احتل أغلب شمال إفريقيا، وخرب ما وصلته يده من عمران، ولكنه رجع في جميع تلك المحاولات بالفشل الذريع، وكل ما استطاع أن يفعل في بعض تلك الهجمات، هو التخريب، وذلك العمل الذي لا يقوم به إلا المتوحشون من الناس. كون مرة جيشاً كبيراً، وقصد مدينة الجبل " جادو" وكان يريد أن يحتلها من

??

مدخلها الطبيعي: من جهة الشمال هذا المدخل الذي تستلقى عليه في فتنة وجمال مدينة " جناون " الرائعة، فلاقاه الأبطال المغاوير، الذين أعدهم أبو يحيى لمثل هذه المهمة، فرجعت جيوش الميورقي منهزمة، ولكنه رغم هزيمته استطاع أن يوقد النار في تلك الحدائق الغناء التي تسقيها عين " تموقت "الغزيرة التي تندفع إليها مع شلال "القصب"64 لفاتن الجميل.

زيتون خاصة،

واحترق في هذه الحدائق ما يزيد عن اثنى عشر ألف شجرة، وعدد غير قليل من الأشجار الأخرى، وأصبح مكان تلك الحدائق يسمى بالمحاريق، إلى يومنا هذا. ووجه " الميورقي " حملة أخرى إلى عاصمة جبل نفوسة منذ عصور قديمة، إلى المدينة العظيمة – مدينة " شروس " التي لا تزال آثارها تشهد بعظمة الإسلام في تلك العصور، وتوجه إليها مع مدخلها الشمالي، كما توجه إلى " جادو " وكان يعتقد وهو يندفع بجيوشه وسط هذا المدخل بين الجبال، أن المدينة العظيمة أصبحت بين يديه، ولا سيما وهي تنبسط على السفح فتصلها الخيل دون عناء، ولكن الابطال المغاوير الذين كانوا يترصدون حركات العدو من المدينة الجاثمة على القمة العالية الشرقية للوادي التي تسـ " الجزيرة " انقضوا في خفة الليوث على هذه

213

212