الإباضية في ليبيا ج 1
الجزء ١ · صفحة ١١٥الإباضية
أيدي الأمناء على شريعة الله ولا تحكم في مصيرها إلا المخلصين الذين يبرهنون على إخلاصهم، وأن تجبر هذه الشراذم – التي
تنعق في كل ركن من أركانها باسم دولة _ على التخلى عن.
هذا
الاسم.، لتصهر هذه الدول الهزيلة المتناطحة في دولة إسلامية قوية، لا ترهب عدواً ولا تتملق أقلية كافرة تعيش في وسطها كما تعيش الجراثيم، وتعمل كما تعمل الطوابير الخامسة في اصطلاح السياسة.
أما الثاني فهو هذه التضحية الكاملة التي يقدمها الحاكم للأمة، إنه الشعور بالواجب المقدس الذي يتعالى فيه الشخص عن مكاسبه المادية ومصلحته الشخصية، وينسى فيه نفسه وماله وأهله، ليقدم للأمة ما يملك من جهد وفكر ووقت. والمؤمن حين يتولى الحكم من هذا السبيل، يجب أن يزيل ذهنه أول ما يزيل المتعة والراحة والسلطة والمال. لأنه خادم
أمين مخلص، وخادم القوم سيدهم. فالسعادة التي يملكها حاكم الأمة المسلمة، إنما هي في ـه لا في مهنته، والسيادة النفسية لا تتنافى مع خدمة الناس، بل لعلها لا تكون سيادة حقاً إلا عندما تتجلى في هذا
نفس
الجانب من الأعمال المبينة على التضحية ونكران الذات. ولذلك فما من مؤمن حريص على إيمانه، حريص على كرامته يسعى إلى أن يلي أمور الناس أو يقبلها إذا عرضت عليه
- اللهم إلا في | الحالة التي تحتاجه الأمة، ويكون قبوله لهذا الأمر ضرورياً، وفراره منه يؤدي إلى أضرار تلحق بها، فحينئذ يكون
واجبا من الواجبات التى لا يحل له أن يتخلى عنها، وفي تاريخ الأمة الإسلامية أمثلة رائعة من ذلك فقد قبلها الصديق رضى الله عنه مكرها، بعد أن حاول أن يفر منها ويضعها على كاهل الفاروق أو أمين الأمة.
وقبلها علي بن أبي طالب مكرها وهو يقول للقوم: لأن أكون وزيراً خير لكم من أن أكون أميراً. وقبلها أبو الخطاب عبد الأعلى بعد أن خير بينها وبين القتل وقبلها أبو عبيدة عبد الحميد الجناوني بعد ـد أن أقنعته العجوز أن إعراضه عنها سيكون سبباً لدخوله النار. وقد تحمل الصديق أعباء الإمامة وهو يحاول أن يعمل كأي فرد في السوق، ليعول أفراد أسرته الكبيرة، وبقي. الفاروق اثنتى سنة في الخلافة فلم يتجاوز بذخه في الطعام الخبز والزيت، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يكنس بيت المال كل جمعة، وعندما استعارت ابنته حلية من خازن بيت المال تتزين بها لمناسبة عارضة ثم تردها، غضب على على الخازن وهم بقطع يد ابنته وقال: لولا أنها استعارتها لكانت أول هاشمية تقطع يدها.
عش
وكان عمر بن عبد العزيز يعيش في زمن الرغد الذي لا يوجد فقير تدفع له الزكاة، ومع ذلك فقد كان يطفئ السراج إذا انتقل الحديث إلى شأن غير شؤون الأمة، مخافة أن يرزأ الأمة في قطرة من الزيت. وتوفى عبدالوهاب بن رستم الذي كان يحكم الجزائر وتونس وليبيا بعد عشرين سنة من الحكم، فأحصيت تركته
225
224