الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ٥

الإباضية

في كتابه القيم "في ظلال القرآن " الجزء التاسع والعشرون

صفحة 179:

" إن مغالبة هتاف النوم، وجاذبية الفراش بعد كد النهار أشد وطئاً وأجهد للبدن، ولكنها إعلان لسيطرة الروح، استجابة لدعوة الله، وإيثاراً للإنس به ومن ثم فإنها أقوم قيلا، لأن للذكر فيها حلاوته، وللصلاة فيها خشوعها، وللمناجاة فيها شفافيتها، وأنها لتسكب في القلب أنساً وراحة وشفافية ونوراً، قد لا يجدها في صلاة النهار وذكره والله الذي خلق هذا القلب يعلم مداخله وأوتاره، ويعلم ما يتسرب إليه، وما يوقع عليه، وأي الأوقات يكون فيها أكثر تفتحاً واستعداداً وتهيوء، وأي الأسباب أعلق به وأشد تأثيراً فيه ".

لقد شرح الأستاذ قطب هذه النقطة التي أشار إليها أبو الخير بما فيه الكفاية، فإن قيام الليل أجهد للبدن، ولكنه إعلان لسيطرة الروح عليه، وهل الخشوع إلا سيطرة الروح على الجوارح وتحكمها في زمام الإرادة؟

أما اليد البخيلة التي تستمسك بالمال وتشح ولا تسخو به على من يستحق المال، فإن علاجها نوع آخر من العبادة، قال أبو الخير: إن علاج اليد التي لا تسخو بالمال ولا تنفق في الخير إنما هو

الصيام …

الصيام: هذه الرياضة الروحية التي ترتفع بالإنسان عن أدران المادة. وتحلق به في سماء الملائكة، جاعلة منه مخلوقاً لا ينظر إلى المال إلا على أساس أنه نعمة من النعم الكثيرة التي أودعها

يس

الخالق الحكيم على الأرض، لتستفيد منها الإنسانية جمعاء، ولا تأثر بها شخص عن شخص، ولا ينفرد بها إنسان دون إنسان. لأنها من حق الجميع، فإذا وضعت الأقدار بعض هذه النعمة بين يدي إنسان، فليس من حقه أن يحبسها عن عباد الله إلا بمقدار ما عنده من حاجة إليها الحاجة الحقيقة الحاضرة، لا الحاجة البعيدة التي يقدرها ضعاف الإيمان لما استتر في الغيب، وعندما يسمو الإنسان بتفكيره عن أوضار الحياة، ويترفع عن قيود المادة، يصبح عنده امتلاك المال والشح به رذيلة من الرذائل التي تتطهر منها النفوس الزكية.

وإذا كان الإنسان إنما خلق ليقطع مرحلة الحياة بما خف من زاد، لا يثقل على الظهر أو الفكر، ثم جرب من نفسه فوجد أنه يستطيع أن يقطع نصف هذه المرحلة دون زاد أو مال عندما يلتجئ إلى الصوم هذه الطهارة الروحية التي تستغني عن النفقات نصف اليوم، إذا جرب من نفسه ذلك. ووجد عنده الإرادة والقوة فلماذا يستمسك بالمال ويحرص عليه؟

ثم إن هذا المال الذي يجده الإنسان بين يديه يتكاثر وينمو، حينا بالكسب، وحينا بدون كسب، إنما هو ضرورة من ضروريات الحياة يحتاجها الغير، فلماذا لا يدع له هذا المال أو بعضه، إنه ليس من حقك أيها المؤمن أن تبيت شبعان ويبيت جارك جوعان، فإذا كان هذا المال لا يمكن أن يكفي اثنين فلماذا لا تصوم أنت وتدع جارك يأكل مما عندك من مال الله؟ إنك لو فعلت فتقربت إلى ربك بالصوم وتقربت إليه بالصدقة وأنت في نفس الوقت لا تستكثر التضحية ولا تستكثر ما قدمت من عمل كنت جديرا

381

380