الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ٧الإباضية
في ذلك العصر بروح هذا العصر، ولكنني مع ذلك أستطيع أن أجد كثيرا من الحقائق التي تنكشف عند التأمل النزيه والنظرة
المنصفة .. ولقد نقلت كلام التيجاني في الفصل السابق عن أهل " زوارة " الكرام، والنقاش الذي دار بين الرحالة الكبير وبعض علماء هذه المدينة التي سماها " زوارة الصغرى "، وقد أطال التيجاني في مناقشة مسألة واحدة بما دار فيه الجدل بينه وبين عبد الرحيم الزواري:؛ هذه المسألة هي المسح على الخفين .. وذكر في بحثه الطويل: أن عدم جواز المسح على الخفين قول مروي عن الإمام علي بن أبي طالب، وأنه مذهب الشيعة، وأنه قول الإمام مالك في رواية عنه، ثم عقب على هذا البحث بأنه لم يصح عن الإمام علي. وقال في الرواية الواردة عن الإمام مالك: أنه يجب أن لا تحمل على ظاهرها، وذكر أنه من صحح الرواية عن مالك تأولها. ويختم هذا البحث الطويل بقوله:
" وبالجملة فالعلماء مجمعون على خلاف هذا القول، وقد نصوا على تفسيق من قال به، وقول هذا الزواري: أن هذا من أخبار الآحاد، ليس كذلك، فقد نص الأئمة على أن هذا الحكم بما
ارتفع عن خبر رتبة الأحاد، ووصل إلى رتبة التواتر. "
مس
فضلا
إني أدع التعليق على مسألة المسح على الخفين، فإنها ألة فقهية فرعية يختلف فيها علماء المذهب الواحد عن علماء الأمة جمعاء، ودعوى التيجاني الإجماع فيها قد نقضه هو نفسه بنقله لخلاف الشيعة والإمام علي والإمام مالك والخوارج، ومن ذهب مذهبهم.
فلندع هذه المسألة لعلماء الفقه والحديث، فقد اشبعوها
بحثا ومناقشة، على أنه مما يستلفت النظر في هذه القضية: أن التيجاني هو الذي التمس الاجتماع بالشيخ الزواري، وعمل من أجل ذلك، وكان مفهوما بطبيعة الحال أنه لم يبحث عنه ويعمل للاجتماع به إلا ليجري معه في حلبة الجدال، وجاء عبدالرحيم الزواري وكان شيخاً وقوراً، حسن السمت، مجتهداً في العبادة، مشاركا في طرف من العلم - بشهادة التيجاني نفسه – وبدأ النضال بين الرجلين، فجرى أولا في أصول المعتقد، ثم انتقل إلى
بعض الفروع، حتى جرهما الحديث إلى المسح على الخفين. لماذا يا ترى حرص الرحالة العظيم أن ينقل محضر النقاش الذي دار بينه وبين عبدالرحيم الزواري في مسألة فرعية هي المسح على الخفين – وقد جرى فيها الحديث عرضاً – وسكت عن أصل النقاش وموضوع الجدال في أصول المعتقد التي قال: إن الحديث جرى أول ما جرى فيها؟ لماذ لم يذكر لنا التيجاني حججه وحجج خصمه، وما سأل وأجاب به کل واحد منهما، كما فعل في مسألة المسح على الخفين؟ .. فهل وصل الرجلان إلى اتفاق؟ أم أن هذا الزواري الوقور الحسن السمت المجتهد في العبادة، استطاع أن يلزم صاحبه الحجة، وأن يفوز عليه في ميدان المناظرة، فسكت العلامة الرحالة عن نقل هذا الحقائق المؤلمة واكتفى عن كل ذلك بكلمات من السباب وجهها إلى زوارة، وعلماء زوارة، ثم عوض عن هذه السكتة بالانطلاقة الطويلة في قضية المسح على الخفين: هذه المسألة التي وجد فيها مجال القول أوسع، وميدان الحديث والتعليق أفسح.
385
384