الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٢

الإباضية

ولالوت مدينة لها تاريخ مجيد في الإسلام، ربضت على قمة منبسطة من جبل شامخ يقتطعها عن بقية القسم والجبال واد عميق الغور من ثلاث جهات، ويجعل منها شبه جزيرة صخرية، حصينة المداخل آمنة من العدوان المفاجئ. وفي هذا الوادي الذي يلتف بها كما تلتف يد الولهان بخصر الحبيب تنبع كثير من العيون والآبار، وتنتشر على جميع جهات البلد، وهي تتفاوت في غزارة الماء، ولكنها تتقارب في عذوبته، وفي منابع هذه العيون والآبار تزدهر بساتين وأجنة جميلة، يتخذها الناس مصائف، ويقضي فيها الشباب أوقاتا من البهجة والأنس والمتعة، ومن هذه المنتزهات الغزيرة المياه:

تونين، وإبجَرْ بَن، والحِسْيان، وسَرْ كَوكَم، وأدبير، وتغليس وتعتبر العين الأخيرة أعذب العيون ماء، وكانت تسقى غابة ظليلة من شجر الزيتون والنخيل والكرم والكمثرى وغيره، وتوجد غير هذه عشرات من العيون التي تنبع من بين الصخر تتفاوت قوة وضعفا.

ومن

في هذه المدينة التي وصفها أبو العباس الشماخي بأنها مدينة الأشياخ والعلم، نشأ عدد غير قليل من العلماء الأعلام. العالمات الفاضلات، كان من بينهم العلامة أحمد بن بصير، ومحمد بن بصير، وأبو زكرياء يحيى بن جرناز أحد أعضاء الجمعية التي | الفت الديوان، ويكفي أنها أخرجت أبا الربيع سلمان بن هارون وأبا سهل.

أما من نوابع النساء فقد نشأت بها المؤمنة الصالحة العالمة

11

' زينب اللالوتية " التي كانت تعيش في " لالوت " متمسكة بأشد ما يمكن من حجاب المرأة ولم يمنعها ذلك أن تعيش في عصرها، وتعرف مجتمعها وتتبع الحركات التي تقع في كامل الجبل، فتشترك بالرأي والكلمة الحسنة والدعوة إلى الخير. بلغها أن أمة الواحد زوجة أبي عامر التصراري أعلنت شيئا مما تحرص النساء على إخفائه، فبعثت إليها تقول في توبيخ عنيف ونهي عن المنكر شديد:

البيت يقيد

لو أمكن لنا أن نستر قبورنا بين القبور لفعلنا. واستجابت لها أمة الواحد وتابت من عملها ذلك وبعثت إليها تعتذر وهكذا. فقد كانت المرأة في ذلك العصر حية شاعرة متصلة بالأحداث التي تقع في وطنها، ولم تكن قابعة في زاوية من الجهل لسانها، ويملأ الفراغ عليها يومها وتشحن الخرافات عقلها، وتشغل الصغائر ذهنها كما هو الحال عند المرأة اليوم. أما أم سحنون: فقد كانت مزاراً للمشايخ، ومعقدا لإجتماعاتهم ومشاوراتهم، وكثيرا ما اجتمعوا عندها في مهمات الأمور، فجاؤوا من يفرن وجادو، وشروس، ليجتمعوا عند أم سحنون في لالوت 59.

وعلى ضفة الوادي من المشرق مقابل لالوت تقع مدينة تيغيت التي غير اليوم اسمها فأطلق: عليها أولاد محمود وقد أصبحت قرية صغيرة جداً، وبجانب هذ المدينة إلى الشمال مصلى ينسب إلى عاصم السدراتي، كثيرا ما يجتمع فيه الناس

لصلاة الاستسقاء.

395

394