الإباضية في ليبيا - ط. مؤسسة تاوالت علي بن يحيى معمر

الإباضية في ليبيا ج 2

الجزء ٢ · صفحة ١٤

الإباضية

به التاريخ، ويكفي أن تربتها الزكية ومناظرها الساحرة، وقممها الضاحكة للشـ مس تعاونت على تكوين أعظم رجل أنجبته ليبيا

في العصر الحاضر: سليمان باشا الباروني: الذي كان من أفذاذ العالم، لم يعرف التاريخ المعاصر من حارب الباطل بإخلاص كإخلاصه الباطل في جميع صوره واشكاله، سواء ما ورد منه مع الجيوش الاستعمارية الغازية، أو في أبواق الدعوة المشتتة، أو ما دس في الفكر والعلم المنحرف وقد وقف في الميدان كما يقف المارد الجبار يدافع عن الحمى ضربات المدافع، ويرد جيوش العدو المتعاقبة، ويقود الجنود البواسل من أبناء الوطن.

ولقد استطاع أن ينير الطريق بفكره النير لعصبة الأمم. فأعجبت بآرائه، ولكن غلبتها شهوة الإستعمار فلم تنفذها، وجاءت اليوم هيئة الأمم المتحدة فوصلت إلى ما دعا إليه الباروني من قبل، وأصبحت قضية تصفية الاستعمار من أمجد الأعمال التي قامت بها هيئة الأمم، ولو استمع العالم من قبل إلى الباروني لانتهى اليوم من هذه المشاكل، واتجهت جهوده إلى معالجة مشاكل أخرى لا تزال في حاجة إلى علاج.

لقد شغل الباروني فكر العالم مدة من الزمن، كانت الدول تنظر إليه بإعجاب فاغرة الأفواه، وقد مرت فترة من التاريخ لا تخرج منه جريدة في أنحاء العالم ليس فيها خبر عن الباروني أو من الباروني، وليست هذه الشهرة قاصرة على الميدان السياسي أو الميدان العسكري، وإنما تشمل جميع ميادين الإصلاح. ومن العين الثرارة التي تروى " كباو " الحالية، يتجه هذا الوادي

العميق أو الخندق الكبير نحو الشرق حتى يصل إلى المدينة العظيمة " إبناين" تلك المدينة التي كانت مركز الحكم لأبي هارون موسى الملوشائي وابنه أبي الربيع، ومأوى لعدد غير قليل من أعلام الفكر والقلم والحكم ومن حولها تقع عدد من القرى التي تشبه أن تكون ضواحي لهذه المدينة العظيمة. وتقابل " إبناين " من الجنوب " جليمَتْ " التي أنجبت فيمن أنجبت أبا هارون الجلالمي صاحب المدرسة العظيمة التي أنجبت أعلاماً يتشرف بهم التاريخ وعند ما يصل وادي كراين إلى مدينة بناين يتجه فرع منه إلى الجنوب الغربي حتى ينتهي إلى شلال " فَنْدَهُ " وعلى الضفة الغربية لهذا الفرع تتناثر بقايا أطلال مدينة " ماسين " يرتفع من بينها مسجد العجوز الصالحة، جدة المشايخ أم الزين اللالوتية.

أما الوادي الأصلي فينعطف مستديرا حول " بناين " إلى الشمال، يشق تلك الجبال الشواهق في اعتداد وقوة وعلى ضفته الغربية تقع "تضرَار " بلد أبي عامر التصراري. وينحدر الوادي في أتساع واطمئنان حتى يصل إلى المنفسج الذي أقيمت عليه مدينة " أبي رغوة " محتلة جانبي الوادي وما فيه من أجنة وبساتين وعيون دافقة، وعلى قمة الجبل الشرقية لهذه المدينة يجثم قصر "العنقر" في يقظة وانتباه، يقابله على القمة الغربية من الوادي قصر عَطَرْشُو " كأنها حارسان أمينان.

وهذا الوادي من أعلاه إلى أسفله من أكثر البلاد شجراً وثمراً

399

398