الإباضية في ليبيا ج 2
الجزء ٢ · صفحة ١٥الإباضية
وماء، وقد كانت الشمس في يوم من الأيام أذل من أن تجوس خلاله، لما التف فيه من الأشجار.
ويوازي هذا الوادي من الغرب واد آخر لا يقل عنه خصوبة
??
القَلْعَةُ
تقع
11
وعمراناً، وهو وادي " الشيخ "، وعلى الضفة الغربية لهذا الوادي و " تلات " المدينة التي عاش فيها أسلاف العلامة الكبير أبي سليمان داود بن إبراهيم: هذا الرجل الذي لا يكاد يخلو کتاب كتب الأصحاب من تعاليقه وحواشيه. من
وإلى غربي هذه المدينة تنتثر أطلال " تنومات "، تلك الأطلال التي يختبئ بها مسجد أبي محمد كأنما يخشى على الفن المعماري الذي نحت به والنقوش الجميلة الرائعة على جدرانه وسواريه، والآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، والحكم البليغة التي حلى بها محرابه وسقفه أن تعبث بها أيدي المتوحشين من الناس الذين لا يحترمون قداسة المساجد، ولا يرعون حرمة التاريخ، ولا يعجبون بجمال الفن.
وعلى الضفة الشرقية لهذا الوادي تقع قرية " بودير " ونملل " تقابلهما من الغرب أطلال " كمزين " يربط بينها مسجد أبي سليمان الكمزيني، ويضيق الوادي متصاعدا بين الجبلين في التواءات كثيرة حتى ينتهي في موضع المدينة التاريخية الكبيرة " وريورى " وقد حرف اسمها اليوم قليلا فأصبح يطلق عليها " ورورى " وإلى الجنوب من أطلال هذه المدينة تمتد بساتين أشجار الفاكهة المختلفة وحقول الحبوب وتنتشر بينها الصهاريج والمنازل المنحوتة في الجبل، وتعتبر هذه الناحية من أجمل مصائف " كباو ".
نشأ.
من
وإلى الشرق من كباو تقع مدينة فرسطاء العظيمة التي أصبحت اليوم قرية صغيرة، وقد كانت في عهد ازدهارها لا تقل عظمة عن " تملوشايت" و " شروس "، وتتصل بهذه المدينة مجموعة من القرى تكون لها ضواحي جميلة، وفي هذه المدينة عدد غير قليل من العلماء الأعلام والمصلحين الأفذاذ منهم أبو عبدالله محمد بكر الفيلسوف الاجتماعي، والمصلح الكبير. الذي لا يعرف السأم أو التعب، ولا يكف عن الكفاح في سبيل الله في لحظة من اللحظات، ولعله أول من فكر في وضع الدساتير المستمدة من الإسلام، فقد وضع دستوره المعروف بنظام العزابة واستمد أحكامه من الإسلام وأعتقد أنه لا يزال هذا الدستور أقيم الدساتير التي جعلت للمحافظة على المجتمعات، ومراعاة مصلحة الشعوب، ولم يكن الرجل نظريا يكتفي بوضع الفكرة، ولكنه حرص أن ينفذ هذا الدستور وتطبيق أحكامه. سافر من جبل نفوسة إلى جربة، ومن جربه إلى وادي أريغ. ومن وادي أريغ إلى وادي ميزاب وكان أهله معتزلة، فلم يمكث بينهم إلا قليلا حتى صاروا إباضية، ومن غيرهم على الحق واتباعه: وطبق هذا النظام في تلك الواحات الخصبة الجميلة، ولا يزال يطبق إلى اليوم؛ فلقد حفظ هذا الدستور أبناء تلك الواحة الكرام من جميع الشرور التي دخلت البلاد الإسلامية، ولقد تمكن الإستعمار في أكثر بلاد الإسلام أن ينشر الفساد الخلقي مقدمة لإضعاف الروح الدينية.
أما في وادي ميزاب فقد وقفت فرنسا عاجزة عن الترب إلى المجتمع، ورجع شياطينها - شياطين الأنس وشياطين الجن
401
400